فرغت بالأمس من قراءة السيرة الذاتية للمناضل الإفريقي نلسون مانديلا، "مسيرة طويلة نحو الحرية" في نسختها الأصلية، وكنت من قبل قد قرأتها مُعرَّبة باقتدار من قِبل صديقي الليبطاني (الليبي البريطاني) عاشور الشامس، وهتفت: سبحان الله، هذا رجل نذر نفسه لتحرير بني وطنه من أسوأ نسخة للاستعمار الاستيطاني، وظل في السجن حبيسا زهاء ثلاثة عقود وخرج منه رئيسا، وعندنا في السودان (عمر البشير) شخص كان رئيسا زهاء ثلاثة عقود، ولكنه صار حبيسا، "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

بلغت مبيعات النسخة الأولى من سيرة مانديلا 15 مليونا، فانتابتني حالة هي مزيج من الغبطة والحسد، فقد أحسست بأنني مغبون ومظلوم لأنني كنت في نظر أفراد عائلتي وبعض معارفي مناضلا لحين من الدهر، بحكم أنني دخلت السجن لثمانية أشهر في ظل حكومة المشير جعفر نميري، ورأيت أنه من حقي أن أصدر كتابا عن تجربتي النضالية تلك، وأن أبيع منه ولو خمسمائة نسخة.
 
في يومي الأول في سجن كوبر في الخرطوم بحري، وضعوني رهن الحبس الانفرادي في زنزانة، ولم يهز ذلك فيَّ شعرة، ولكنني أحسست بالمهانة عندما سلموني وعاء معدنيا مطليا باللون الأبيض (يسميه البعض نونية) لاستخدمه كدورة مياه، مع منحي نصف ساعة صباح كل يوم كي أقوم بتفريغ محتوياته في دورة المياه الحقيقية..

وسرعان ما زال الإحساس بالمهانة، لأن جميع النزلاء في الزنازين المجاورة كانوا يقتنون ذلك الوعاء، وصار مادة للدعابة خلال جلوسنا ملتصقين بأسياخ أبواب الزنازين للأنس والسمر، وبعد مرور بضعة أسابيع كان جميع من كانوا يشغلون تلك الزنازين قد نالوا الإفراج أو تم نقلهم إلى أقسام أخرى في السجن، ما عدا قبطان باخرة مصري كان قد جرى اعتقاله بتهمة تهريب ذهب، وبدلا من محاكمته بجريمة جنائية، قالوا إنه يريد تمويل المعارضة بعائد بيع الذهب المُهرّب، لأن مالك الباخرة كان معارضا لحكم نميري.

 

هتفت: سبحان الله، مانديلا رجل نذر نفسه لتحرير بني وطنه من أسوأ نسخة للاستعمار الاستيطاني، وظل في السجن حبيسا زهاء ثلاثة عقود وخرج منه رئيسا، وعندنا في السودان (عمر البشير) شخص كان رئيسا زهاء ثلاثة عقود، ولكنه صار حبيسا، "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

 

وبعد أن صرنا اثنين فقط في ساحة الزنازين انقلب الرجل عليّ، فكلما جاء السجانون للقيام بعملية "العدّ" الصباحي والمسائي كان صاحبنا يرفع يديه بالدعاء: اللهم انصر نميري على الإخوان المسلمين والشيوعيين والبعثيين والناصريين وو إلخ، فلم يكن يعرف لي لونا سياسيا وبالتالي قرر اللعب على المضمون بذم جميع التيارات السياسية في الساحة، ولم تفلح محاولاتي في إقناعه بأن السجانين قوم بسطاء، ربما لا يعرفون حتى أن السودان نال استقلاله..

كنت قادرا على التواصل مع المعتقلين السياسيين في مستشفى السجن الملاصق لساحة الزنازين التي كنت نزيلا فيها، وقلت لبعضهم: لو بقيت في الزنازين يوما إضافيا يا قاتل يا مقتول، فنصحوني بادعاء مرض محترم يخول لي الانتقال إلى المستشفى، فدخلت زنزانتي وكانت لدي كمية من أقراص الفيتامينات ذات اللون الأحمر، وقمت بإذابة بعضها في الماء ولطخت بالماء الملون ملابسي وجانبا من فمي ووجهي، وسكبت معظمه على الأرض وخرجت من الزنزانة مترنحا، فانزعج صاحبي وصاح في الحارس الذي على البرج العلوي بأنني أكاد أسقط من الإعياء..

نجحت الحيلة وتم نقلي إلى المستشفى، حيث نعمت بالنوم على فراش وثير، وبعدها تنقلت بين عدد من أقسام السجن وانتهى بي المطاف في قسم يسمى "السرايا" لأنه فخيم المعمار، ووجدت به زهاء مائتي معتقل، وكانت الحياة في السرايا تمضي وفق برنامج وضعه المعتقلون للترفيه والتثقيف، وبالتالي لم أحس بأنني سجين بل كنت سعيدا بمخالطة سياسيين ذوي سجلات نضالية حافلة بالصمود والمنازلة.

كان بالسجن وقتها كوكتيل من السياسيين من جميع المشارب، ولكن غالبيتهم كانت من الشيوعيين، وبالتالي انعقدت لهم القيادة فيما يتعلق بأمور السجن وعلاقة المعتقلين بإدارة السجن، ثم فاجأتنا تلك القيادة ذات يوم بإعلان الاضراب عن الطعام للمطالبة بأن يتم منحنا المواد الخام لإعداد الطعام لنتولى إعداده بأنفسنا، وقبل أن يكمل الإضراب يومه الأول كانت إدارة السجن قد استجابت لذلك المطلب .

وبعدها بحين قصير قالوا لابد من الإضراب عن الطعام مجددا كي يكون من حقنا الحصول على الصحف وأجهزة الراديو والتلفزيون، ولأن ذلك كان مطلبا تعجيزيا فقد شكلت "لوبيّا" مناهضا للإضراب وعقدنا حلقات للدعاء: يا لطيفا لم تزل أخرجنا أحياء من هذا المعتقل.. اللهم شتت شمل الشيوعيين وفرِّق كلمتهم.

ولكن وعند طرح الأمر للتصويت كانت كفة الداعمين للإضراب هي الراجحة، ونفذنا الإضراب، وفي مساء اليوم الثاني منه كانت معدتي ترفض حتى الماء، ورقدت ممددا وبي بعض الهذيان، ثم اكتشفت أنني قريب جدا من مستودع مكشوف لمواد صنع الشاي، وبكل براءة وبعد التأكد من أن جميع من هم حولي في حالة شبه غيبوبة، مددت يدي إلى كيس فيه سكر كثير، وغرفت منه ملء الكف ووضعته في فمي..

سبحان الله: خلال ثوان معدودة أحسست بطاقة هائلة ونهضت لأتأكد من أنني لا أحلم، ووجدت نفسي أسير في رشاقة وأتجول بين زملائي الممددين على الأرض (لم يكن السجن مزودا بالأسِرّة، بل كانوا يعطون المعتقل حصيرة من سعف النخيل وبطانيتين)، داعيا إياهم إلى الصمود، وعبرت مع الصامدين إلى اليوم الثالث والأخير من الإضراب ففيه وافقت السلطات على تزويدنا بالصحف مع وعد بالنظر في بقية المطالب..

هنالك في الفنون الدرامية من يعرف بنقيض البطل Anti-hero ولكن، ولحسن حظي، لا يوجد "نقيض المناضل" كمصطلح متفق عليه في الأدب أو السياسة..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"