تابع الشعب السوري بمؤيدي ثورته؛ وهم الغالبية الساحقة، وبمؤيدي النظام الذين يتشكلون من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها بشار، مع بعض أجزاء معتبرة من الأقليات الطائفية الأخرى.. تابعوا بكثير من الشغف ذلك الصراع الدائر راهنا بين الملياردير رامي مخلوف، وبين بشار ونظامه.


لا حاجة لتوصيف تاريخ الأخير، فقد نشرت كل التفاصيل، وبات يعرفها كل المهتمين، وليس فقط الشعب السوري، فالرجل هو نجل محمد مخلوف الذي كان "صراف" آل الأسد، كما تم توصيفه، من أيام الأب (حافظ)، لكن ثراءه بلغ مستويات غير مسبوقة في مرحلة بشار التي شهدت تغييرات بنيوية في نظام الاقتصاد ميلا نحو الانفتاح.

 

وكان رامي ومعه آخرون هم الذي استفادوا من صلتهم بالنظام (بشار بالطبع)، بل عملوا كوكلاء له من الناحية العملية.


حدث ذلك بعد أن شعرت الأقلية الطائفية الحاكمة بكثير من الثقة، وقررت استثمار قوتها الأمنية في السيطرة على المجال الاقتصادي، الأمر الذي كان أقل وضوحا أيام (الأب).


قيل الكثير أيضا في أسباب الصراع الدائر، وتم إدخال زوجة بشار في السياق، كما تم إدخال الروس أيضا، لكن الحقيقة الأهم من ذلك هي أن النظام بدأ يعيد حساباته بعد تلاشي نشوة التفوق العسكري الذي تمّ بسطوة الطيران الروسي ومليشيات إيران. 


هنا لم يجد غير واقع اقتصادي متدهور (تدهوُر سعر الليرة مجرد شاهد عليه) لا يمكن التخفيف من تدهوره من دون الحصول على أموال من كبار الفاسدين الذي تمرّد بعضهم على النظام؛ ولو نسبيا.


لقد نسي رامي مخلوف وأمثاله بعد ما يقرب من عقد على بداية الثورة أن ثرواتهم قد جاءت تبعا لعلاقتهم بالنظام، ولم تأت بسبب إبداعاتهم.

 

ولا شك أن الروس قد حضروا في السياق؛ هم الذي يعانون بدورهم من وضع اقتصادي بالغ السوء؛ بسبب كورونا وتداعياته من جهة، وبسبب انهيار أسعار النفط من جهة أخرى.

 

كما شمل إيران أيضا التي تحمّلت أكثر مصاريف حماية بشار؛ هي التي تعاني من نزيف اقتصادي رهيب، وشمل العراق الذي كانت تستخدمه إيران كأداة لدعم النظام.


تلك عادة اللصوص في منظومات السياسة القمعية، فهم ينسون بسهولة الكيفية التي حصلوا من خلالها على ثرواتهم، ويشرعون في التمرّد إذا تيسر لهم ذلك، قبل أن تفاجئهم حقيقة أن الطاغية لا يعبد سوى نفسه، ويمكنه التضحية بأي أحد إذا احتاج لذلك.


الدلالة الأهم لما يجري هو أن النظام بدأ يستشعر حالته المزرية على الصعيد الاقتصادي، والأسوأ القادم بعد تطبيق "قانون قيصر" الأمريكي لملاحقة رموز النظام وداعميه، والذي سيبدأ الشهر القادم.

 

حين يضطر حسن نصر الله الذي أصبح أهم ناطق باسم خامنئي في الملفين السوري والعراقي (بجانب اللبناني)، بعد اغتيال سليماني.. حين يضطر إلى نفي التخلي عن بشار، أو وجود نوايا روسية للتخلص منه، فعلينا أن ندرك أن الأمر ليس عبثا

كما بدأ يستشعر أيضا حجم التناقضات داخل بنيته الطائفية التي انقسمت بين أمثال رامي مخلوف الذي كان نجله (محمد) يتباهى في دبي بسياراته وطائرته (لا عجب أن تم حذف الفيديو الذي يكشف ذلك)، وبين غالبيتها الساحقة التي لم يبق منها بيت إلا وخسر أحد أبنائه، بل أكثر من ذلك في كثير من الأحيان.


مثل هذه التناقضات، سيكون من الصعب على النظام أن يحلها بأداة القمع، فكان لا بد أن يتصرف بطريقة أخرى، توحي بأنه لا يحابي أحدا.

 

الرسالة كانت لبنية النظام الطائفية، وليست لما تبقى من الغالبية داخل البلد، والتي تعرف مثل الجميع، طبيعته الفاسدة والقمعية، ولن تقنعها قصة كهذه بجديته في محاربة الفساد، فيما لا يمكن استبعاد العامل الروسي في القضية، كما أسلفنا من قبل.


أما ما يعنينا من هذه الزفة؛ بجانب الهجمة الروسية الإعلامية على النظام، فهو التأكيد على ما أكدنا عليه مرارا هنا؛ ممثلا في استحالة استقرار سوريا بوجود النظام ببنيته الحالية، وهي نظرية يبدو أن قناعة بوتين بها قد بدأت تتصاعد.

 

وحين يضطر حسن نصر الله الذي أصبح أهم ناطق باسم خامنئي في الملفين السوري والعراقي (بجانب اللبناني)، بعد اغتيال سليماني.. حين يضطر إلى نفي التخلي عن بشار، أو وجود نوايا روسية للتخلص منه، فعلينا أن ندرك أن الأمر ليس عبثا، وأن الروس قد يفكرون في تغيير بشار نفسه إذا رأوا في ذلك فائدة لإنجاز المطلوب ممثلا في إبقاء نفوذهم بسوريا، بخاصة أن شيئا كهذا ستكون له مكافأته من الصهاينة الحريصين على إبعاد إيران عن سوريا.

 

لكن الإرادة شيء، والنجاح شيء آخر، وبالطبع تبعا لإصرار إيران على بقائه، هي التي تملك قوة كبيرة على الأرض رغم الضربات الصهيونية المتوالية لأهداف تابعة لها في الأراضي السورية.


ما يجري في درعا بين حين وآخر يؤكد جانبا آخر، سبق أن تحدثنا عنه، ممثلا في أن حجم الثارات داخل البلد لن يسمح باستقراره في ظل منظومة العنف الرخيص.

 

كما أن أي نظام، لا يمكنه التعايش مع ملايين المعارضين في الخارج في زمن مواقع التواصل. ولك أن تضيف إلى ذلك كله حجم التردي الاقتصادي الذي يزيد حقد الناس في الداخل عليه؛ حتى لو لم يملك أكثرهم الجرأة على التمرد بسبب شراسة القمع من جهة، وعدم توفر أجواء إقليمية مناسبة من جهة أخرى.


الجانب الأخير في السياق هو المتمثل في الصراع الإقليمي والدولي، وهذا له أثر كبير على مصير الصراع في سوريا، لا سيما أننا إزاء نظام لا مثيل له في الكون، إذ تتحكم فيه طائفة لا تتعدى نسبتها عُشر السكان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"