بعد فترتي حكم امتدتا من عام 1953 إلى 1961، حذر الرئيس الأمريكي السابق داويت إيزنهاور في خطابه الوداعي من النفوذ المتصاعد لما أطلق عليه «المجمع الصناعي العسكري»، وقصد بذلك التحالف بين المؤسسة العسكرية الضخمة ممثلة في وزارة الدفاع (البنتاجون) وبين كبريات الشركات الصناعية.


وتمتع هذا التحالف بنفوذ واسع على الحزبين الديمقراطي والجمهوري داخل الولايات المتحدة، وامتد عبر المحيط الأطلنطي ليخلق تحالفات صناعية مع كبريات الشركات الأوروبية.


ودعم كذلك هذا التحالف تضخيم الميزانية العسكرية الأمريكية لتصل على سبيل المثال في هذا العام لما يفوق 733 مليار دولار.


ودفع ذلك التحالف غير المعلن بين كبريات الشركات الأمريكية والبنتاجون لإبقاء الرغبة في استمرار معدلات التصنيع العسكري باستخدام التخويف من الحرب الباردة التي لم تكلف فيها طلقة واحدة بين الغريمين الأمريكي والسوفيتي. وسبق ذلك تضخم دور الشركات الصناعية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية مع انتقال شركات السيارات الكبرى مثل فورد وجنرال موتورز وكرايسلر، إضافة لجنرال إلكتريك وغيرها لإنتاج الكثير من المدرعات والطائرات والصواريخ.


ومنذ ظهور وباء الكورونا ووصوله لكل دول العالم، يمكن ملاحظة خطوات تدريجية في اتجاه بناء علاقة تحالف جديدة تشبه في طبيعتها علاقة التحالف العسكري والصناعي إبان الحرب الثانية، ويقوم التحالف الجديد بين عمالقة صناعة التكنولوجيا من جانب، وبين قطاع الصحة والحكومات من جانب آخر.


***
قبل أيام تحدث إيريك شميت، الرئيس السابق لشركة جوجل، خلال استضافته في برنامج فريد زكريا على شاشة سي إن إن، قائلا إن مكافحة وباء الكورونا ما هي إلا حرب معلوماتية، لا يمكن تحقيق النصر فيها على عدو خفي إلا من خلال امتلاك المعلومات والبيانات الضرورية في هذه المواجهة. وتساءل شميت كيف يمكن لك أن تثق في الشخص المجاور لك في المطعم أو قاعات الدراسة أو القطار أو المكتب أو الطائرة أو المصعد! في وقت قد لا تظهر عليه أعراض الإصابة بالفيروس! نحن نرى هذه المعضلة كأزمة معلومات ترتبط بسؤال هو «أين المريض».


ولا يُعد السيد شميت استثناء في التعبير عن رغبته في امتلاك المعلومات والبيانات الشخصية المتعلقة بصحة المواطنين، فرؤساء الشركات التكنولوجية الكبرى المسيطرة على استهلاك الشعب الأمريكي للتكنولوجيا، وهم جوجل ومايكروسوفت وفيسبوك وآبل وأمازن، يشاطرونه نفس الاهتمام.
وتعتمد هذه الشركات لدرجة كبيرة وبصورة أو أخرى على البيانات والمعلومات الشخصية لمستخدميها كأساس كبير لتحقيق الأرباح.


وبلا شك لا يمكن تجنب التكنولوجيا كأداة مهمة وفعالة في مكافحة فيروس كورونا وغيره من الأمراض الأخرى في ضوء ما يشهده العلم من تطور تكنولوجي شديد السرعة. إلا أن التسليم بدور التكنولوجيا لا يجب أن يُرغمنا على الانصياع لتصورات رؤساء شركات التكنولوجيا التي لا تهتم إلا بتحقيق الأرباح، ولا تنظر للشخص وخصوصيته إلا باعتباره رقما في قواعد بياناتها.


***
منذ أيام أعلنت شركتا آبل وجوجل عن شراكة لطرح تطبيق من خلال التليفونات المحمولة لديه القدرة على رصد حوالي ثلث سكان العالم حيث تُستخدم تقنية تتبع الاتصال Contact Tracing، للحد من انتشار فيروس كورونا من خلال إخبار المستخدمين أن عليهم الالتزام بالحجر الصحي أو عزل أنفسهم بعد الاتصال بفرد مصاب.


وذكرت تقارير إخبارية أنه وخلال المرحلة الأولى سيكون على المستخدمين تنزيل التطبيق، لكن في مرحلة ثانية والتي ستكون بعد أشهر، سيصبح برنامج تتبع الاتصال يعمل بدون حاجة إلى تنزيل التطبيق.


ويستغل التطبيق الجديد خاصية متقدمة لمعرفة تفاصيل تحركات الشخص، ومع من تقابل وأين مكث، من خلال بيانات هاتفه النقال. ولن يكون في مقدور الشخص التحكم في المعلومات المتعلقة بشخصه أو حجبها، إذ قد يعتبره البعض معوقا للقانون أو معاديا للمنفعة العامة.


وتتداول الآن وعلى مستوى واسع تصورات ورؤى مختلفة يطرحها مديرو شركات التكنولوجيا لشكل مدن المستقبل كي تصبح مدينة صحية، ولجامعات المستقبل ولمصانع ومكاتب ومساكن المستقبل كذلك.


***
يرى عمالقة التكنولوجيا أن فيروس كورونا يمثل فرصة تاريخية لتحقيق أحلام ربط سكان العالم بشبكات متواصلة يمكن من خلالها تطبيق مراقبة تكنولوجية غير اختيارية.


ويغلف النقاش الجاري حاليا مفاهيم جذابة كتلك التي تراها جزءا من «الأمن الصحي» بمعناه الواسع الذي يشمل كل شخص في دولته أو مجتمعه باعتباره قد يكون مصدرا مستقبليا لتهديد الأمن القومي بسبب إصابته بفيروس أو نقله لعدوى. وتتنافس شركات التكنولوجيا على سبق تبني تطبيقات لتفعيل نظم رصد أي إشارات في الخريطة المرضية للمجتمع. وتهدف التطبيقات الجديدة الدخول للبيانات الحكومية، والاطلاع على السجلات الصحية للشخص، تتيح تلك التطبيقات كذلك إمكانية معرفة الأماكن وتواريخ زيارتها من هذا الشخص أو ذاك.


***
في منتصف عام 2019 وصلت أعداد الكاميرات المنتشرة في مختلف المدن والقرى الصينية والمرتبطة بالسلطات الأمنية المركزية 349 مليون كاميرا، ويتوقع أن تصل أعداد الكاميرات بنهاية عام 2012 إلى 567 مليون كاميرا. ويبدو أن التجربة الصينية في معرفة تفاصيل حياة مواطنيها، والاطلاع على تفاصيل حياتهم أصبحت تمثل نموذجا جذابا لرؤساء شركات التكنولوجيا مع موافقة وترحيب من الجهات الحكومية المسئولة عن الصحة والأمن.


ولا يختلف ما تشهده الولايات المتحدة من نقاش فكري جاد حول التوازن بين الخصوصية والحرية من جانب، وبين متطلبات الصحة الشخصية والعامة من جانب آخر، عن نقاشات دارت قبل مئتي عام. فقد سبق وأكد بنجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، خلالها أن «هؤلاء الذين يضحون بالحرية مقابل الأمن.. و(أضيف أنا هنا الصحة) لا يستحقونهما».


هل تنجح الصين في تصدير نموذجها وتقضي على ما يميز الديمقراطيات الغربية من سيادة القانون وسمو مفهوم وممارسة الحريات الشخصية، أم ستنتفض المجتمعات الغربية في وجه «المجمع التكنولوجي الصحي» الجديد؟


(الشروق المصرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"