تابعت كغيري خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الثلاثاء، الذي أعلن فيه التحلل من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وإعادة مسؤولية إدارة المناطق الفلسطينية، لتصبح مسؤولية إسرائيلية، حسب اتفاقية جنيف الرابعة.

 

ولأن هذا الخطاب يؤذن، أو من المفروض أن يؤذن، بفتح طريق جديدة مخالفة لمسيرة أوسلو، والتبعات التي تحملها الشعب الفلسطيني بسبب تلك الاتفاقيات الكارثية، كان لا بد لنا من وقفة أمام هذا الخطاب نحاول أن نقرأ فيه، إن كنا قادرين على ذلك، ما الجديد في سياسة السلطة الفلسطينية، وهل نحن مقبلون على مرحلة جديدة فعلا، أم أن الأمور لا تعدو كونها فقاعة لامتصاص حالة الذهول والإحباط والضياع، التي يعيشها الشعب الفلسطيني بين أربع جائحات لا واحدة، كورونا والاحتلال والانقسام والتطبيع الوقح من بعض الدول العربية؟


وكي نفهم الخطاب أكثر، رأيت أن أمر على بعض التفاصيل التي سبقت لحظة إلقائه. كان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، قد أعلن يوم 12 مايو، أن القيادة الفلسطينية بمشاركة حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» ستلتقي يوم السبت 16 مايو و»ستتخذ قرارات حاسمة بشأن تعليق اتفاقات التنسيق مع إسرائيل، بما في ذلك التنسيق الأمني… بشأن عملية إعلان الضم والبدء في عملية الضم.

 

الاجتماع لم يحصل السبت، بحجة انتظار تشكيل الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد، بل الثلاثاء بدون حضور حركتي حماس والجهاد، ولا عدد من الفصائل الصغيرة. ولم يكن الاجتماع كما ظن البعض، لمناقشة الموقف من الضم بشكل جماعي، والاتفاق على برنامج عمل، بل كان للاستماع فقط لخطاب «اليوم التالي بعد الضم»، الذي سيتلوه الرئيس على الهواء مباشرة، دون مناقشة أو تعديل، الذي أعدته لجنة خاصة شكلها الرئيس نفسه من بين أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة المركزية لحركة فتح فقط، بدون تشاور مع بقية أطراف الطيف الفلسطيني.

 

وقد حاول بعض الموجودين من حركة فتح والجبهة الشعبية، أن يثيروا بعض النقاط قبل الخروج على الهواء، إلا أنهم أسكتوا، إما بالمقاطعة، كما حصل مع عباس زكي عضو اللجنة المركزية لفتح، أو عدم إعطاء الإذن بالحديث، كما حدث مع قيس أبو ليلى ممثل الجبهة الديمقراطية، أو بالتهديد والاستفزاز كما حدث مع ممثل الجبهة الشعبية عمر شحادة. وألقي الخطاب كما هو مع بعض الشطحات خارج النص، لم تزد النص إلا ضعفا وغموضا.


تعرضت في السابق كثيرا لمستوى الخطابات التي يلقيها الرئيس عباس في المحافل الدولية، أو المناسبات الأساسية، وانتقدت بشكل مباشر ذلك الشخص أو الأشخاص الذين يكتبون خطاباته، ولا يتقنون هذا الفن ولا يعرفون أن لكل مقام مقالا، بل ذهبت بعيدا في السابق، حنقا على سوء خطابه أمام دورة المجلس الوطني الفلسطيني في رام الله (30 أبريل 2018)، فسمحت لنفسي أن أنشر مقالا بعنوان «الخطاب الذي كان يجب أن يكون». والخطابات تزداد سوءا عندما يخرج الرئيس عباس عن النص ويحاول أن يضيف تفصيلة هنا أو طرفة هناك. هذه المرة سنحاول تمحص مكونات الخطاب، أمام هذا المأزق الوجودي الذي ستواجهه القضية الفلسطينية برمتها، عند إعلان ضم 30% من أرض الضفة الغربية المحتلة.


في الخطاب مجموعة قرارات غامضة، لا تتعدى كونها مقصودة في ذاتها، بدون أن تتبعها خطوة تفسيرية، أو كيف سيتم تنفيذها، وهناك أجزاء متناقضة تصطدم ببعض ما قاله في أجزاء أخرى، فنتوه بين المقولتين. وهناك، وهو الأهم، قضايا غابت عن الخطاب، وغيابها مقصود ويدل على أن الجدية في مواجهة الضم، مثلها مثل الجدية في مواجهة صفقة القرن، لا تتعدى مربع الرفض، أما ما بعد الرفض فلا أحد يعرف ما الذي سيحدث، وكيف يسقط قرار الضم، ولا كيف ستسقط صفقة القرن. وسنأخذ فقط مجموعة نقاط.


– السلطة أصبحت في حل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية بما في ذلك التنسيق الأمني.


ما معني «في حل من جميع الاتفاقيات»؟ هل هذا يعني الإلغاء التام بحيث لا تعود لها أي قيمة قانونية؟ أليست السلطة نفسها مستمدة وضعها القانوني من اتفاقية أوسلو؟ فإذا كانت هذه الاتفاقية لاغية ولا قيمة قانونية لها، فكيف تستمر المؤسسات التي بنيت عليها؟ وهل تشمل الاتفاقية الاقتصادية لعام 1995، التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني من خناقه بذيل الوزارات الإسرائيلية، من مالية واقتصاد وتجارة وضرائب. فهل السلطة جاهزة أن تتحمل مسؤولية إلغاء هذه الاتفاقية؟ وهل لديها الجرأة بأن تلغي اتفاق أوسلو IIالذي قسم الضفة الغربية إلى ألف وباء وجيم، ووضع مناطق جيم التي تصل إلى 60% من أرض الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية بالكامل، إدارة وأمنا وموارد وطرقا ومنشآت؟

 

ثم هل التحلل من الاتفاقيات الأمنية يعني شيئا آخر غير وقف التنسيق الأمني؟ نريد بيانا صريحا بليغا، لا يحتمل التأويل يقول: نعلن رسميا وقف التنسيق الأمني. فإما أن هناك نية بعدم وقف التنسيق الأمني، أو أنها بالون اختبار ظنا منهم، واهمين، أن الأمريكيين والإسرائيليين سيهرعون إلى السلطة جاثمين على ركبهم، يتمنون عدم وقف التنسيق الأمني. للعلم ليست المرة الأولى التي تهدد السلطة بوقف التنسيق الأمني وإلغاء الاتفاقيات، وإعلان موت أوسلو، وكل تلك التهديدات ذرتها الرياح، ولم يعد الشعب الفلسطيني يصدقها ولا إسرائيل تكترث بها.


– «على سلطة الاحتلال الإسرائيلي ابتداء من الآن، أن تتحمل جميع المسؤوليات والالتزامات أمام المجتمع الدولي، كقوة احتلال في أرض دولة فلسطين المحتلة، وبكل ما يترتب على ذلك من آثار وتبعات وتداعيات، استنادا إلى القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949».


هذه الجملة تعني أن السلطة لن تمارس السلطة، وستعود كل التبعات والمسؤوليات إلى القوة القائمة بالاحتلال وهي إسرائيل، وحسب اتفاقية جنيف فالسكان الواقعون تحت الاحتلال يخضعون في حمايتهم ومسؤولياتهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية للمحتل، لكن كأفراد وليس كدولة أو سلطة. فمن جهة تريد السلطة أن تحتفظ بالسلطة / الدولة، وفي الوقت نفسه، يحولون مسؤوليات الدولة إلى السلطة القائمة بالاحتلال. فكيف يستوي الشيء ونقيضه؟

 

إذا أردنا أن نفعـّل اتفاقية جنيف الرابعة المختصة بحماية المدنيين تحت الاحتلال، فيجب أن لا تكون هناك سلطة إلا سلطة الاحتلال كما كان الحال في يونيو 1967 ولغاية دخول السلطة الفلسطينية عام 1994 تحولت بعدها مهمات السلطة القائمة بالاحتلال إلى السلطة الفلسطينية وبالتالي أعفي الاحتلال من مهماته. فهل من تفسير لهذا الخلط بين وضعين قانونيين لا يلتقيان؟


– نقرر اليوم استكمال التوقيع على طلبات انضمام فلسطين إلى المنظمات الدولية التي لم ننضم إليها حتى الآن.


هذه الجملة تعني أن شيئا لن يتغير، وستتابع السلطة الأمور كما هي الآن تماما. سلطة تتصرف كدولة بعد الاعتراف بها عام 2012، دولة تتمتع بوضعية مراقب في الأمم المتحدة. لكن هذه الدولة تنقصها شروط الدولة الثلاث: السيادة على الأرض المحددة جغرافيا، والسيادة على الشعب المنحصر في تلك الحدود، والاعتراف الدولي الناجز. فإذا كانت السلطة ستستمر في ممارساتها، بدون تغيير، فما المبرر لذكر اتفاقية جنيف الرابعة وتحميل القوة القائمة بالاحتلال تبعات الاحتلال؟


– نؤكد مجددا التزامنا بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، تحت رعاية دولية متعددة (الرباعية الدولية + وعبر مؤتمر دولي للسلام وفق الشرعية الدولية).


الأسطوانة المشروخة نفسها التي أثبتت مرة وراء مرة أنها هراء ولا أحد يستمع لها. فقد عقدت باريس في 15 يناير 2017 مؤتمرا دوليا للسلام، حضرته 80 دولة وغابت عنه إسرائيل وأمريكا وانتهى إلى هباء. أما الرباعية فتشمل الولايات المتحدة التي تهمش الدور الأوروبي، ويكون مندوب الأمم المتحدة «شاهد زور»، وروسيا لن تدخل معركة لصالحنا، وهي التي تقيم علاقات حميمية مع إسرائيل، أكثر من علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة. التعويل على المجتمع الدولي لن يحرر شبرا، ولن يعيد حقوقا، ولن ينهي احتلالا إلا إذا كان هناك نضال حقيقي في الميدان.


نكتفي هنا ونقول إن الأجزاء الغائبة عن الخطاب هي الأهم في رأينا. لم يتحدث عباس عن خطة بديلة لإنهاء الاحتلال تبدأ بإنهاء الانقسام فعلا لا قولا، ولا بإعادة القضية للشعب الفلسطيني، ليقرر سبل نضاله القديمة والجديدة والمستجدة، ولم يذكر الخطاب كلمة مقاومة سلمية، أو عصيان مدني، ولم يأت على ذكر غزة لا من قريب ولا من بعيد، ولم يذكر أهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتشمل كل الفصائل، وكل الفعاليات والشخصيات والرموز الوطنية البعيدة عن الفساد والتهور والملتزمة بأبجديات القضية الفلسطينية، التي تؤكد وحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان، ووحدة أراضيه كلها ووحدة الهدف الذي تبنته كل فصائل العمل الوطني ولم يبق فصيل صغير أو كبير إلا ودخلت كلمة «تحرير» في صلبها.


إن خطابا قصد به تنفيس الاحتقان الكبير لدى الشعب الفلسطيني المقهور لن يعيش يوما أو بعض يوم، فالأمور تحسم على الأرض بالأفعال لا في المكاتب ولا بالخطابات.

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"