أول الأجوبة هو أن لا أحد يعلم الإجابة بالتدقيق. فلا أحد يستطيع معرفة التداعيات الحقيقية لهذا الوباء بل إن أكثر الخبراء والمختصين إنما يقدمون قراءات استشرافية لأن الأزمة لا تزال في بدايتها. لكنّ هذا لا يعني من جهة أخرى أن المعطيات المتوفرة لا تسمح بتقديم فرضيات واحتمالات بناء على عنصرين أساسيين. أما الأول فهو البناء على أزمات سابقة عرفها العالم وأحدثت فيه تغيرات عميقة وأما الثاني فيتمثل في ما يتوفر من القرائن وأدلة ثابتة اليوم يمكن الانطلاق منها.
 
لا يمكن مبدئيا فصل نتائج الوباء العامة عن تلك المحلية والإقليمية، لأن العالم كله سيتأثر بذلك بحسب طبيعة كل دولة وبحسب خصائصها السياسية والديمغرافية والاقتصادية خاصة. فلما كان الوباء عالميا في انتشاره فإن النتائج ستكون كذلك مع مراعاة كل سياق على حدة وخاصة مراعاة قدرة كل دولة على مواجهته وامتصاص آثاره. 

التصور الأول 

يتأسس هذا التصور على فرضية قدرة العالم في الأسابيع القادمة على محاصرة الوباء وتقليل عدد المصابين إلى مستوى أدنى أو التوصل إلى لقاح فعال بمعالجة المصابين وحماية حياة الملايين من الناس. حسب هذا  التصور الأول ستكون استتباعات الوباء مادية اقتصادية بالدرجة الأولى لأنها ستتسبب في أزمة عابرة على المستوى الدولي يمكن مجابهة تداعياتها.
 
في هذه الحالة ستتأثر أنظمة عربية عديدة بفعل انحسار مستوى مدخراتها من العملة الصعبة وستجد نفسها مضطرة إلى حزمة من الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية والمالية مثل الترفيع في الضرائب والضغط على قطاعات اقتصادية بعينها. كما ستشمل الإجراءات دعم القطاعات المتضررة خاصة قطاع السياحة والقطاعات الاستهلاكية والخدمية بشكل عام وهو وما سيفرض إنفاقا استثنائيا.

 

فلما كان الوباء عالميا في انتشاره فإن النتائج ستكون كذلك مع مراعاة كل سياق على حدة وخاصة مراعاة قدرة كل دولة على مواجهته وامتصاص آثاره.

 


 
أما على المستوى الاجتماعي فستتسبب الأزمة في ضرر على النظام الاجتماعي العام، بحيث ستكون الطبقة المتوسطة والفقيرة ضحية حالة من الانحباس في القدرة الشرائية وفي الطاقة الاستهلاكية مما سينعكس سلبا على الأسواق وعلى حركة السلع. هذا الأمر ستنتج عنه أزمة بطالة محدودة لكنها قد تؤدي إلى اختفاء عدد كبير من الوظائف وانعدام القدرة على إعادتها بسبب تضرر اليد العاملة وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية في مجتمعات عربية بعينها.
 
على المستوى السياسي ستضطر الدول إلى مراجعة سياساتها الداخلية والخارجية لأن الدول التي تشهد اليوم نزاعات مسلحة لن تكون قادرة على توفير الدعم المادي لتغطية النفقات أو خوض معارك جديدة. كما أن بعض الأنظمة العربية ستشدد من قبضتها على المجتمع في محاولة منها إلى منع كل انفلات ممكن قد يؤدي إلى سقوط النظام أو إلى اهتزازه.
 
في هذه الحال سيكون تراجع النمو السبب الأساسي في محاولات الدول الحدّ من الآثار الاجتماعية المدمرة على المجموعة بشكل قد يؤدي إلى انهيار الوضع الاجتماعي الذي سيمس كذلك الطبقات الغنية لأن الأزمة لن يقتصر أثرها على الطبقات المتوسطة والفقيرة. 

التصور الكارثي

يكون هذا التصور مشروطا بتواصل الأزمة لمدة أشهر وهو السيناريو الأكثر تشاؤما مما سيؤدي إلى نتائج كارثية على كل المستويات. إن انتشار الوباء وعدم قدرة المجموعة الدولية على احتوائه سيؤدي إلى وفيات بالملايين مما يجعل السيناريو اللاحق للأزمة أشبه بحالة ما بعد الحرب لكن دون حرب.
 
ستنهار قطاعات اقتصادية كثيرة وعلى رأسها السياحة والنقل والخدمات وستتضرر بسبب ذلك قطاعات كثيرة وسينهار النمو مما سيؤدي إلى إفلاس آلاف الشركات الصغرى والمتوسطة وكذلك بعض الشركات العملاقة. هذا الأمر سينسحب على القطاعات المالية والبنكية التي ستجد نفسها عاجزة عن تلبية حاجيات الاقتصاد وربما تعلن إفلاسها وتعجز عن إرجاع أموال المدخرين. المشهد الاقتصادي بعد الأزمة سيكون مشهدا كارثيا لن يختلف عن الأزمة الاقتصادية التي عرفها العالم أواخر العشرينيات من القرن الماضي وربما أخطر من ذلك.
 
هذا الوضع الاقتصادي سيؤثر مباشرة على المجتمع بسبب ندرة الغذاء الذي قد يؤدي في أماكن معينة من العالم إلى مجاعات كارثية خاصة في البلدان الفقيرة والبلدان ذات الكثافة السكانية العالية. إن انتشار الوباء وانهيار القطاع الصحي عالميا وانتشار البطالة بأعداد كبيرة سيضرب الطبقات المتوسطة والفقيرة في العمق وسيؤدي إلى انتشار اضطرابات اجتماعية لا يمكن اليوم قياس مداها وعمقها.

 

إن سقوط أنظمة سياسية عربية أمر متوقع بشدة في حال تواصلت أزمة الوباء واشتد وقعها الاقتصادي لأن هذه الأنظمة مثل النظام المصري لن تكون قادرة على إيقاف موجات الاحتجاجات الشعبية الكبيرة.

 


 
ستكون المجتمعات العربية من بين أكثر المجتمعات تضررا خاصة في الدول الهشة مثل السودان ومصر وتونس وليبيا ولبنان وغيرها، أما الدول الغنية مثل دول الخليج فستكون أقل تضررا من البقية بسبب احتياطيها المالي الضخم أو بسبب ضعف كتلتها الديمغرافية. هذا الوضع الكارثي سيؤدي حتما إلى هزات اجتماعية عنيفة قد تقود إلى تجدد الثورات.
 
إن سقوط أنظمة سياسية عربية أمر متوقع بشدة في حال تواصلت أزمة الوباء واشتد وقعها الاقتصادي لأن هذه الأنظمة مثل النظام المصري لن تكون قادرة على إيقاف موجات الاحتجاجات الشعبية الكبيرة.
 
إن النظام الرسمي العربي برمته سيكون معرضا لامتحان عسير ولن تكون القوى الدولية قادرة على إنقاذه بسبب نزيفها المالي وبسبب انشغالها في معالجة آثار الأزمة في مجتمعاتها. لن تكون الدول العربية قادرة على مواجهة الأزمة بسبب غياب الآليات الكفيلة بذلك من ناحية وبسبب ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي والغضب الشعبي الناجم عن عقود من الاضطهاد والظلم.
 
تبقى المنطقة العربية بذلك منفتحة على كل الاحتمالات لكن الثابت الأكيد هو أن ما بعد الأزمة الحالية لن يكون كسابقها وذلك على كل الأصعدة والمستويات، فحتى لو نجح العالم في تطويق الأزمة فإن التداعيات ستكون ملموسة وعميقة على المدى المتوسط والقريب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"