(1)
لن أكتب اليوم.. غمامة كورونا حجبت شمس الكتابة الحرة وحجرت على الكلام، العقل الإنساني سقط في بئر الموضوع الواحد واللون الواحد، كورونا اليوم هو القضية واللغة الكونية، اسمه يتردد بين الخائفين أكثر من اسم الله جل علاه، النقاشات كلها عن الفيروس الغازي: الأخبار، والنصائح الطبية، وتصريحات الحكام، وبرامج حشو الرؤوس بالحروف، ومواعيد الغرام، وأسئلة الأطفال، و...

(2)
قالت البنت اللطيفة للولد المنبوذ: إذا وقعت في مشكلة ما، لا تحاول أن تكون شجاعاً، اهرب، فنحن لا نعيش في زمن الشجاعة والمواجهة، هذا زمن الجبناء، زمن الضعف والهشاشة والخوف، لا تنخدع في مظاهر القدرة والوجاهة، فليس كل هذا إلا قناع خائب لإخفاء ما يشعر به كل واحد في قلبه من خوف وطمع وأنانية...

قالت البنت اللطيفة نصحيتها لفورست، ثم ذهبت للتعري وخلع القناع الأخير، وعلى مدى حياته المليئة بالفشل والنجاح، بالحروب والجوائز، ظل فورست مؤمنا بعقيدة الهروب، متميزا في الجري بعيداً عن المواجهة..

(3)
لم أحب "فورست جامب" كثيراً، كانت مشاعري منحازة أكثر لـ"بيردي" بطل الفيلم الذي يحمل نفس الاسم للمخرج البريطاني النبيل آلن باركر. كلاهما (فورست وبيردي) خاض حرب فيتنام، وكلاهما تعرض للصدمة: فورست استثمرها وحصل على الأوسمة الوهمية من رئيس ساهم دون أن يفهم في فضحه، وبيردي دفع ثمنها من روحه ومن انكسار أحلامه في أن يصبح عصفورا طليقاً يطير في السماء ليبتعد بقدر الإمكان عن قذارة الأرض.. فورست كان يتعايش ويندمج ويحصل على المقابل، بينما بيردي يغترب ويفارق ويحلم بعالم جديد. فورست كان ابنا معاقا لحضارة مشوهة تؤجر بيتها وجسدها مقابل الثمن، بينما بيردي كان ضحية لهذه الحضارة التي تنبذ الحالمين على هوامش المدن، وتعزلهم في مستعمرات الصفيح بالقرب من المزارع المهجورة ومخازن النفايات.

(4)
بدت لي الحضارة الحديثة في أزمة كورونا موزعة بين "فورست جامب" و"بيردي"، لكن الصدمة هذه المرة ليست أمريكية كحرب فيتنام، والفضيحة هذه المرة لا يستطيع مكنمارا تحسينها، أو إخفاء خسائرها، فالصدمة عالمية، والفضيحة عالمية، والخسائر عالمية، والمصائر موزعة بين الخائفين الهاربين من المواجهة (على طريقة فورست جامب) وبين الأبرياء الذين تكسرت براءتهم واحلامهم أمام مشهد الموت والبشاعة وخرافة القدرة الأمريكية والعلم الحديث، وقد انعكس ذلك كله في "هوس إخباري" يطاردنا بمعلومات عما حدث ويحدث، لكنه لا يخبرنا لماذا حدث، وكيف حدث، ومتى يستطيع العقل الإنساني المدجج بجوائز نوبل في العلوم وعنجهية الحكام المستندة إلى ترسانات الأسلحة "الذكية" أن يتحكم في هذا الخطر ويوقف الكارثة.

(5)
الحياة ليست خبر، هذا تعبير متطرف أتبناه ضد المبشرين بعالم الأخبار، وضد الانتشار المذهل لماكينات صياغة اللغة والثقافة المعاصرة كلها باعتبارها "حالة إخبارية"، حيث اكتسحت وكالات ومؤسسات ومواقع الأخبار صناعة الإعلام، وحاصرت المعرفة الإنسانية في "الحدث". فأنا أتلقى عشرات الأخبار كل ساعة من إيران والصين والأردن والبرازيل وكندا وأستراليا، وأتعرض لحالة "إغراق خبري" يعوقني عن معرفة ما يحدث لي، بينما يقدم لي تفصيلات ولادة فتاة أمريكية في غرفة صديقها في الأباما، أو يلاحقني بتطورات درجة حرارة رئيس الوزراء البريطاني وتسريحة شعره أثناء العزل، وأسعار فساتين شارابوفا الجديدة، ومقاسات سراويل كاردشيان، وماذا قال عمرو أديب من تفاهات في برنامجه الذي أطلقته علينا عشرات المواقع بالتوازي والتوالي مع عرضه، و...

(6)
أخبار كثيرة، ومما زاد من سفاهة الحالة التي وصل إليها تجار الأخبار أن تتصدر إشعاراتهم كلمة "عاجل"، ولما تترك ما بيدك وتدخل متلهفا لمعرفة الحدث الذي يستحق هذا التنبيه، تجد خبرا عن تجديد عقد لاعب كرة قدم في ناد مغمور، أو فنانة نشرت تغريدة أقل من عادية على حسابها في تويتر، لكنك لا تعرف كيف انطلقت الكارثة. فالرئيس الأمريكي يتحدث بمستوى "عبده يوتيوبر"، ويغمز إلى الصين متمسكا بمصطلح "الفيروس الصيني"، بينما الصين ترد التلاسن بالتلويح عن ظهور إصابات بالفيروس في أمريكا أقدم من إصابات ووهان، ولما يسأل بيردي: من فعل هذا؟
تبدأ معزوفة الهجوم المسبق على الحيارى السائلين بذريعة أنهم عبيد لعقلية المؤامرة. وهكذا صار الباحثون عن الحقيقة موزعين بين تايكونات المال والسلاح على طريقة ترامب وأزلامه، وبين خبراء التبسيط الساذج والجاهل من "علماء الشلولو"، والكل يصلح مادة للأخبار التي تقصفنا بها مدافع الجنود المأمورين.

(7)
أعود وأكرر: الحياة ليست خبراً، قد يكون الموت خبراً، لكن الحياة أشمل وأعمق وأهم من اختزالها في خبر. في مصر تعبير قديم عن الموت أو القتل يقول فيه القاتل الأجير للمحرض على القتل: "هجيب لك خبره"، فالخبر في ثقافتنا الشعبية هو الموت، بينما الحياة تستحق أن نكمل العناصر الستة للخبر نفسه، فلا نقف عند ماذا حدث؟ ولا نكتفي بتعليقات ساذجة أو انطباعية لجمهور استقبال الخبر. لا بد من البحث والعودة على مصادر عليمة لتحليل الخبر ووضعه في سياق والاستشهاد بتجارب سابقة أو التحذير من مآلات لاحقة.

وهنا تأتي أهمية العلم والتاريخ والفكر والفلسفة، إذ لا يمكن قراءة أي حدث قراءة صحيحة بينما نضع على وجهه الأقنعة ونعزله في الحجر بعيدا عن التفاعل الطبيعي مع الحياة.

(8)
أقول برغم ملايين الكلمات التي تضخها ماكينات الكلام في رؤوسنا كل يوم، أن هذا الزحام لا أحد، هذا الكلام يعمينا أكثر مما يدلنا على الطريق، نحن نجهل أكثر كلما تدفقت الأخبار على دماغنا أكثر، لأننا لا نستطيع أن نفكر تحت هذه المطاردة، فقط نلجأ إلى أسلوب فورست ونجري هربا، والأكفأ من يهجر الحديث الطويل والفهم المتعمق ويجري أسرع، عابرا على كل شيء بسرعة لا تتيح له التمعن ولا التدقيق ولا السؤال عن حقيقة ما حدث وما يحدث.

لهذا، أتوقف اليوم لأعيد الاعتبار إلى ضرورة الفحص، فالثبات أحيانا يكون ضرورة لمرحلة الفحص بنتائج أدق. لذلك كان ثبات بيردي الصامت في المستشفى وهو يجلس كالتمثال في وضع الطائر، كان ثبات التأمل والمراجعة، ثبات الإدانة للحرب وبشاعتها، على عكس فورست الذي انخرط واعتبر قتله للأعداء في فيتنام بطولة تستحق وسام الشجاعة..!

(9)
هذه الوقفة، برغم رمزيتها، هي مفتاخ تصورنا للعالم بعد حصار الجائحة.. هل يتغير النظام العالمي الفاشل وتتغير أجندة اهتماماته وتقديراته (نموذج بيردي)؟ أم يستفيد من المصائب بتحقيق بطولات والحصول على أوسمة، والعودة إلى سكة الهروب من المواجهة والبحث عن مشاريع جديدة للربح، كمشروع الجمبري الذي شيّد به فورست إمبراطوريته المالية، ليس لأنه الأذكى والأكثر عملاً، لكن لأن الإعصار حطم مراكب الصيد الأخرى، بينما نجا مركبه بالمصادفة؟ والباقي مفهوم في مسار النجاح الرأسمالي.

أخيراً، تبدو لي جائحة كورونا فرصة مواتية للخروج من ضبابية "ما بعد الحداثة"، وتكسيرها للسياقات والتاريخ والرصانة لصالح الاجتزاء والمرور السريع واللحظية والسطحية، وتعميم عقلية "الكليب" كانتقام من عقلية السرديات الكبرى والملاحم القديمة. وهذا لا يعني العودة على القديم، والاعتذار لحداثة فشلت في صون البشرية وتأمين حياتها، فالحداثة أخفقت في استثمار العلم، كما أخفقت العصور الوسطى في استثمار الدين، لكن كفر "ما بعد الحداثة" بالعلم والدين معا لا يكفي لإقامة عالم متوازن جديد. هذه النزعة الانتهاكية الإلحادية لما بعد الحداثة تكفي فقط للتشفي في الحداثة والانتقام من سطوة الكنيسة ومن انحراف العلم، لكنها لا تكفي للتأسيس والتقدم على طريق واضح ومأمون نحو مستقبل أفضل وأعدل للبشرية..

خلاصة هذه التأملات العفوية التي أطرحها هنا بلا ترتيب، أن العالم كله في حاجة ماسة إلى تصور جديد لمرحلة "بعد ما بعد الحداثة". وفي هذا السياق يأتي الحديث عن جدارة المشاريع الأخرى في طرح نفسها بما يليق بالمستقبل، وليس باستعادة المشاريع الفاشلة من قبل.

وكنت قد نويت الكتابة عن المشروع الحضاري العربي الإسلامي كمرشح للقيام بدور مهم في المستقبل، لكنني رأيت تأجيل هذا الحديث لوقت أنسب. وأتعشم ان تكون هذه الخواطر مدخلا يمهد للسؤال المهم: هل لدينا بالفعل نواة لمشروع حضاري إنساني صالح للمستقبل؟ وهل لدينا المقومات والعزم الواقعي الذي يستوجب طرح هذا المشروع عاجلاً؟ أم يجب علينا البدء بمرحلة دراسات استطلاعية ولوجستية تسهم في طرح عملي ناجح لمشروع آمن صمويل هنتجنتون بإمكانية تحققه أكثر مما يؤمن به أصحابه؟

والله الرحيم يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، لتزول الموانع وتحضر العزائم.

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"