كان الأب في المجتمعات القديمة يضرب ابنه، فلا يجد الابن أمامه من سبيل لينفس عن غضبه، "ويفش غليله"، وينتصر لنفسه، إلا أن يضرب شقيقه الأصغر، وهو في مأمن من ردة فعله.. وكذلك يفعل النظام المصري، مع خلاف في التفاصيل، فهو لا يُضرب من الأب، ولا يعتدي على الشقيق، لكنه تدرب على أنه عندما يُصفع أياً كان من صفعه فإنه يتجاهله بحثاً عن آخر ينتقم منه، اعتمادا على أخلاقه الرفيعة التي تحول دون النزول لمستواه!

فلا يتوقف النظام الإثيوبي عن التحرش بأهل الحكم في مصر، وهم في الحقيقة لا يتحرشون بالنظام كله، ولكنهم وضعوا هدفاً لهم وهو "عبد الفتاح السيسي" بشخصه وصفته، فيستهدفونه ويستهيفونه. والأولى من الاستهداف، أما المفردة الأخيرة فمن "الاستهياف"، فإذا بالآلة الإعلامية تذهب لتهاجم تركيا وقطر، وتستأسد عليهما!

الصلف الإثيوبي

لقد كان وباء كورونا نجدة للنظام الانقلابي الحاكم في مصر، فشغل الناس به ولم يعد هناك من يسأل عن ماذا سيفعل النظام حيال الصلف الإثيوبي، ويا لها من مفارقة غريبة، فوصف الصلف كان يطلق على القوى العظمى، فصار سمة من سمات الحكم الإثيوبي في تعامله مع العسكر في مصر!

وإذ ألقى الحاكم العسكري كل ثقله في الكفة الأمريكية، وباعتبار واشنطن قادرة على إلزام إثيوبيا بحل يرضي جمع الأطراف، لكن الحكومة الإثيوبية تمردت على مفاوضات واشنطن وأعلنت أنها لن توقع على أي اتفاقية تضر بمصالح الشعب الإثيوبي، وأنها ستعرض الأمر على البرلمان المنتخب، ثم إنها ذهبت بعيداً وأعلنت أنها ستبدأ في عملية الملء بعد أربعة أشهر، وأن أي قوة في العالم لن تستطيع أن تمنعها من ذلك!

وبدا النظام المصري مكشوفاً أمام الجماهير، إزاء هذا التحدي، لكن لفرط سذاجته ظن أن الحاكم الأمريكي بإمكانه إجبار النظام الإثيوبي على القبول بما انتهت إليه المفاوضات، فاته أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تخيف أحداً سوى الحكام الذين يفتقدون لشرعية الحكم في بلادهم، وقد هُزمت هي في أكثر من ميدان، ومن الصين، إلى كوريا الشمالية، إلى إيران، إلى فنزويلا، ولم يعد يعمل حسابا لها سوى من ينتظر الحصول على الترخيص له بمزاولة مهنة الحاكم، سواء في مصر أو في المملكة العربية السعودية. فعندما تضن الشعوب بالتأييد على أنظمتها المتسلطة، فإن البحث عن الشرعية يكون خلف أبواب البيت الأبيض، ولدى قادة الكيان الإسرائيلي!

والحكم الإثيوبي يحشد الشعب خلفه في هذه المعركة، وبالتالي فلن يؤثر عليه غضب أمريكي، ويجد لديه القدرة على التمرد، وإثبات أن واشطن ليست هي التي تستطيع أن تفرض عليه مبادرة أو حلاً، لا سيما في مرحلة أبرمت فيها مصالحة مع حركة طالبان، المصنفة أمريكيا بأنها كيان إرهابي، وفي الاتفاق شهد العالم كله بأن يد طالبان كانت هي العليا. فقد كانت المفاوضات مستمرة وتعرضت القوات الأمريكية في أفغانستان لضربات المسلحين، فكان الإعلان الأمريكي وقف المفاوضات ثم ما لبث البيت الأبيض أن عاد إليها من جديد. وكان قد سبق هذا رفض طالبان طلباً أمريكيا بانتقال المفاوضات إلى أبو ظبي، وأصرت الحركة على استمرارها في الدوحة، وكان لها ما أرادت!

النظام الذي لا يهش ولا ينش

ولم ينتبه النظام المصري للمعادلة الجديدة، وظن أن النظام الإثيوبي مثله، ولم يدرك التحول الديمقراطي هناك، واستخدام الموقف المتشدد من قضية السد دعاية للانتخابات القادمة، فواصل تحديه للنظام المصري الذي لا يهش ولا ينش أمام تحرشه وتهديداته!

وبلغ التحرش درجته القصوى بتصريحات القادة الإثيوبيين بأنهم سينسفون السد العالي إذا تعرض سد النهضة للتهديد، ودقوا طبول الحرب من طرف واحد، فلم يكن النظام المصري أو أذرعه الإعلامية قد هددت بشيء من هذا، كما أنه حتى لم يحتج على مثل هذه التصريحات المستفزة، والتي تمثل إعلان حرب وتحرش لم يصدر في مواجهته ولو خطاب خشن للقوم في القاهرة.

ويخوض النظام المصري كثيراً من معاركه عبر الذباب الالكتروني، وأعلنت إدارة "تويتر" خلال الأيام القليلة الماضية إغلاق عدة آلاف من الصفحات الوهمية في القاهرة والتي تديرها الحكومتان المصرية والإماراتية.

وعقد السيسي اجتماعاً يوم 4 آذار/ مارس الماضي مع قيادات الجيش، فاستخدم الذباب الإلكتروني صورة الاجتماع الذي لم يصدر عنه بيان، في الإعلان عن أن الجيش المصري يهدد بقصف سد النهضة، لكن الرد الإثيوبي كان واضحا ولا يحتمل التأويل، فقادة الجيش الإثيوبي أطلوا على العالم من موقع سد النهضة، فبلع القوم في القاهرة ألسنتهم إزاء هذا التصريح الصريح والمستفز أيضا!

وإذ حل على البشرية وباء كورونا، فقد اعتبرها النظام المصري رمية بغير رام للهروب من ملف سد النهضة، لكن أبداً لم تتوقف إثيوبيا عن التحرش به وإظهار ضعفه وهوانه على الناس!

لقد صدرت صحيفة "كابيتال" الإثيوبية برسم مهين للسيسي يصوره في صورة التابع للولايات المتحدة الأمريكية، وهو الوصف المهذب الذي يمكن لكاتب متعلق بأهداب قيم المهنة وتقاليدها أن يصف به هذا الكاريكاتير، الذي ذكرنا بحملة الرسومات الكاريكاتيرية المبتذلة التي كان يقوم بها الرسام مصطفى حسين للزعيم الليبي معمر القذافي في عهد الرئيس السادات!

ومهما قيل عن الابتذال في هذا التصوير للقذافي الذي تم بريشة مصطفى حسين فقد كان رداً على الخطاب المبتذل للقذافي، والذي كان يتعرض فيه لحرم الرئيس الراحل بما يصلح لخناقات نساء الحارة في الأعمال الدرامية القديمة، بيد أن إهانة صحيفة "كابيتال" لشخص عبد الفتاح السيسي كانت بدون مناسبة، وبعد يوم من طلبه وساطة أوغندا!

الضرب على الخد الأيمن

واللافت هنا أن السلطة في مصر لم توجه إعلامها ولجانها الإلكترونية للنيل من القادة الإثيوبيين ولو من باب المعاملة بالمثل، فقد بدت هنا مسيحاً يُضرب على خده الأيمن فيعطي خده الأيسر. وقد كان يمكن قبول هذا "الإعراض عن الجاهلين" لو أنها سياسة القوم وترفعهم عن الابتذال، فالحقيقة أنهم ينفسون عن حالة الضعف والمهانة هذه بتوجيه الإهانات للرئيس التركي ولأمير دولة قطر، دون أن يهبط القادة في الدولتين، أو الإعلام فيهما، أو حتى الذباب الإلكتروني لمستوى هذا الأداء البائس للنظام العسكري في مصر!

والحقيقة، أنه رغم تحرك إدارات منصات التواصل الاجتماعي لإغلاق آلاف الحسابات الوهمية، التي تستخدمها الأنظمة أداة في معارك السياسة، فإنه لم يثبت أن كلا من قطر وتركيا لجأتا لهذا الأسلوب، وتبعية هذا الذباب في كل مرة يكون للثلاثي المرح: السعودية، والإمارات، وعبد الفتاح السيسي!

وفي الوقت الذي تتطاول فيه إثيوبيا قيادة وإعلاما على السيسي وتستبيحه، وتزدريه، وتتحرش به، يتم الدفع بالإعلام وللذباب الإلكتروني للإمساك في دعاية كاذبة تقول إن تركيا قامت بالسطو على مستلزمات طبية كانت قادمة من الصين في طريقها لإسبانيا، ليتم التوصل إلى اتهام سفيه هو: "أردوغان حرامي"، مع تجاهل شكر وزيرة إسبانية لتركيا ودورها في الوفاء بتعاقداتها مع ولايات إسبانية، وأنها أرسلت إليها المستلزمات الطبية المطلوبة لمواجهة الوباء!

إنه النظام المقهور الذي يصفع على قفاه من إثيوبيا، فلا يستطع صداً أو رداً، إنما يختبر رجولته بالهجوم على تركيا وقطر!

من صفعك هناك!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"