إذا كنا قد سئمنا من متابعة الأخبار السيئة عن المعاناة البشرية على كوكب الأرض برمته بسبب وباء كورونا، فإن ثمة أخبارا جيدة قد يجلبها هذا الوباء على المدى البعيد.


سيخسر مئات الآلاف من البشر أرواحهم بسبب هذه الكارثة بحسب الحسابات الطبية، وإن كان العلم اليقين هو عند الله سبحانه وتعالى وحده، ومن المتوقع أن يؤدي انتشار الفيروس إلى خسائر اقتصادية هائلة بدأت ملامحها تظهر بالفعل، ولكنه كأي كارثة كبرى سينتج تغييرات تاريخية كبرى في المستقبل، بعضها قد يكون جيدا للبشرية.

الاقتصاد العالمي والوطني


من المتوقع أن تتغير اتجاهات الاقتصاد العالمية بعد انتهاء الوباء، إذا استطاعت الدول أن تستفيد من هذه التجربة الأليمة. ولعل أول التغييرات ستكون تركيز الدول النامية تحديدا على سياسات الاكتفاء الذاتي، خوفا من تكرار التجربة وكابوس انقطاع الاستيراد للمواد الأساسية الاستراتيجية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة الاعتبار لصغار المنتجين ودعم الصناعات والإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج.

 

 هل سيكون الركود الاقتصادي القادم أسوأ من أزمة 1929؟

وإذا كان الوباء وانتشاره عالميا قد كشف بعض الجوانب السلبية للعولمة الاقتصادية، فإن الاقتصادات الوطنية ستركز على تخفيف جرعة العولمة والاستيراد من الخارج، بما سيعود على تحسين التنمية في الدول الصغيرة، وتخفيف تغول رؤوس الأموال الكبرى للشركات متعددة الجنسيات، وإعطاء فرصة أكبر للمنتجين المحليين الذين ضربتهم العولمة في مقتل خلال العقود الماضية.
 
النمط الرأسمالي الاستهلاكي

 

إذا أحسنت الدول والناس استثمار التجربة التاريخية لهذا الوباء، فإن هذه التجربة يمكن أن تعمل على تغيير الأنماط الاستهلاكية التي نشأت كنتيجة للرأسمالية المتوحشة

 

 

وبدلا من الاستثمار بالسلع الاستهلاكية التي تستفيد منها الشركات الكبرى وطبقة غنية صغيرة العدد فقد يتجه الإنتاج والاستثمار للسلع الضرورية، وهو ما سيعزز الاستثمارات المحلية في هذه السلع، ويساهم في إعادة ترميم الطبقات الوسطى التي بدأت تتآكل بفعل النمط الصناعي والاستهلاكي الذي خلقته الرأسمالية.

 

 التايمز: كيف يهدد فيروس كورونا مستقبل الرأسمالية؟

الاشتراكية الاجتماعية


وأظهرت الأزمة عجز النظام الرأسمالي المتوحش عن تأمين الطبقات الفقيرة في الأزمات، وخصوصا تلك الطبقات التي يعتمد الناس فيها على عملهم اليومي كمورد رزق وحيد، والذين كانوا أكبر المتضررين من الأزمة.

 

لقد قامت كبرى الدول الرأسمالية بالفعل خلال الأسابيع الماضية بتفعيل سياسات اشتراكية اجتماعية تدعم الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، وتدعم الشركات المحلية، وإذا كانت الدول ستستوعب الدرس من هذه الأزمة الطاحنة فإنها قد تتحول لسياسات أكثر عدلا في توزيع الدخل والثروة، بحيث لا تكون مضطرة لضخ مئات المليارات لحل الأزمات التي قد تنتج عن وباء أو كارثة أخرى في المستقبل.

البحث العلمي

تركز الاستثمار في البحث العلمي في العقود الماضية على تطوير سلع استهلاكية غير أساسية، خصوصا في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا، بينما أظهرت الأزمة ضعف البحث العلمي في الجوانب الطبية. وإذا أحسنت الدول قراءة نتائج انتشار هذا الوباء القاتل فإنها قد تتوجه لتعميق البحث العلمي في قطاع الطب، بحيث تكون جاهزة لأي خطر مماثل في المستقبل.

 

 NYT: بهذه الطريقة غير كورونا طرائق البحث العلمي

أما الدول الصغيرة وخصوصا الغنية التي تتبنى اقتصادا ريعيا قائما على الاستهلاك واستيراد التكنولوجيا والعلم بدلا من إنتاجهما، فإن هذا الوباء يمثل "نعمة" لها كي تتعلم ضرورة استثمار الأموال بالبحث العلمي والإنتاج واعتماد مبدأ "صناعة الشبكة بدلا من شراء الأسماك"!

الخدمات الصحية

 

 

لم تظهر الأزمة عيبا أوضح من ضعف قطاع الخدمات الصحية على مستوى العالم. غالبية دول العالم بما فيها أقوى وأغنى الدول ظهرت عاجزة عن التعامل مع الوباء

 

 

وبدا واضحا نقص عدد الأسرة في وحدات العناية المركزة، ونقص أجهزة التنفس الاصطناعي، ومواد حماية الطواقم الطبية من العدوى.

 

 كورونا.. هذه أكثر الدول اهتماما بأعداد أسرة العناية المركزة (إنفوغراف)

ومن المتوقع أن تشهد الخدمات الصحية تطورا كبيرا بعد انتهاء الوباء، وأن يتم زيادة الأسرة في المستشفيات وخصوصا في وحدات العناية المركزة، وزيادة التجهيزات ومتطلبات الحماية وأجهزة التنفس، وغيرها من الاحتياجات التي ستطور القطاع الصحي وترتقي بخدماته بلا شك.


ويمكن أن تؤدي الأزمة أيضا إلى تفعيل سياسات "مجانية الصحة"، وتطوير تعليمات التأمين الصحي ليشمل جميع مواطني الدول، وخصوصا الطبقات الفقيرة.

سيناريوهات الأزمة

نشرت تقارير عدة في صحف غربية عن تجاهل حكومات دول كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا لدراسات علمية أشارت سابقا لاحتمال انتشار وباء عالمي، وضرورة الإعداد لمواجهته. لم تتعامل الحكومات مع هذه الدراسات وتجاهلتها، ما أدى إلى غياب سيناريوهات لحل الأزمة عند حدوثها.

 

سينتهي الوباء بدون شك بعد فترة من الزمن، وستخرج الدول سواء كانت صغيرة أو كبيرة بتجربة مهمة تؤهلها لوضع سيناريوهات أكثر نجاعة للتعامل مع أزمة مماثلة في حال حدوثها مستقبلا لا قدر الله.

تعدد القطبية

أفرزت نهاية الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن الماضية نظاما عالميا قائما على قطب واحد هو الولايات المتحدة، ولكن أزمة كورونا أظهرت للعالم فشل الاعتماد على قطب واحد، لأن هذا القطب مهما كانت قوته سيكون عاجزا عن التعامل مع كوارث كبرى كالتي أنتجها انتشار هذا الوباء.

 

ظهرت الصين قطبا كبيرا خلال الأزمة، حيث مارست "قوتها الناعمة" ببراعة، وساعدت دول العالم بما فيها الولايات المتحدة عبر إنتاج أجهزة التنفس الصناعي واختبارات الفحص وغيرها من المستلزمات.

 

 

ستؤدي الأزمة بعد انتهائها إلى ظهور تحالفات جديدة بناء على التجربة التاريخية الراهنة

 

 

وستكون الصين لاعبا أكثر أهمية مما سبق، وربما ستظهر دول إقليمية أخرى مؤثرة، وهو ما سيعيد نوعا من التوازن للعالم، كانت قد فقدته منذ انتهاء الحرب الباردة.


تمويل الصراعات

ستنتج الأزمة اختلالا اقتصاديا هائلا ربما سيحتاج لسنوات لإصلاحه، وستقل السيولة المالية لدى غالبية دول العالم مع انتهاء الوباء، ومن المتوقع أن يشهد العالم ركودا كبيرا قد يتجاوز الركود الذي خلفته الأزمة المالية العالمية عام 2008.

 

 كيف غير وباء "كورونا" مسار الصراع في الشرق الأوسط؟

وعلى الرغم من النتائج السلبية لهذا الركود والضعف الاقتصادي، إلا أنه سيؤدي أيضا إلى تراجع قدرة الدول التي تمول الصراعات والحروب خصوصا في منطقتنا العربية على استمرار تمويلها لهذه الصراعات.


ستنشغل الدول التي تمول الصراعات بالارتدادات الاقتصادية لزلزال كورونا، وربما سيؤدي ذلك لخلق فرصة لحلول سياسية تنهي صراعات لا تزال حتى الآن تبدو صفرية في العالم العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"