ما أن انفجرت أزمة كورونا حول العالم، وتسابق صناع القرار لاتخاذ القرارات المصيرية لإنقاذ شعوبهم، إلا وانطلقت أقلام المحللين والخبراء، لتقييم التبعات الاقتصادية للوباء، وما يتوقعونه من مستقبل أسود ينتظر البشرية.


جلهم توقع وكتب من بنات أفكاره ما استطاع، من دون أن يعرف متى سيقف هذا الوباء، وكم من حياة البشر سيحصد فعليا، وما هو حجم الدمار الاقتصادي والبشري والاجتماعي الذي سيحدثه، لذا فقد اعتمد الجميع على التوقعات، وما راكموه من خبرات اقتصادية، بما في ذلك مؤسسات بحثية وفكرية عدة.


وفي خضم ما نشر من مقالات ودراسات وتحليلات وإحصائيات، فإن النتائج جاءت متطابقة نسبيا، خاصة في إطار مفاهيم عدة. أولها إن نظاما عالميا جديدا على وشك الولادة، باعتبار أننا أمام تحول تاريخي يوازي الثورة الصناعية والحربين العالميتين.

 

وثانيها إن أبطال المشهد المقبل في النظام الجديد سيكونون أولئك الذين نجحوا في مواجهة المرض والتغلب عليه، عبر أنظمتهم الصحية والإدارية.

 

وثالثها إن عولمة الغرب ستنهار لصالح عولمة دول الشرق، التي ارتبكت في بداية الهجوم، لكنها استطاعت السيطرة ومجابهة الوباء باقتدار.

 

ورابعها إن الانهيارات الاقتصادية ستكون أمام محك مهم، إما أن يواجه بتعاون دولي أو تناحر عالمي وحروب لا تنتهي.

 

وخامسها إن حروب النجوم والصواريخ الذكية وأسلحة الدمار الشامل ستسقط أمام تنامي القدرات البيولوجية وأسلحة الفيروسات والترسانة الجرثومية.


مربط الفرس في كل ذلك، أننا لم نكن ملائكة عندما أتينا إلى كوكب كورونا وعليه فإننا لن نخرج منه ونحن أكثر آدمية أو إنسانية أو ملائكية، بل سيخرج العالم ليكون أكثر طمعا وجشعا، خاصة مع شح الموارد وانهيار الأسواق العالمية وتراجع العملات القوية تقليديا، وارتفاع معدلات البطالة وتعطل عجلة الاقتصاد العالمي، وكساد الأسواق، ونفاد المخزونات الغذائية العالمية واحتكارها، وتقهقر عجلة التصنيع، وتغير الأولويات الدولية، وخلافه من كوارث الأرض.

 

وبين هذا وذاك فإن ولادة عالم رابع باتت أمرا محتما، بعد أن عشنا حياتنا ونحن نحلم بانتهاء العالم الثالث، وانتقاله نحو التصنيع وحسن إدارة الموارد، وتطوير منظومات التعليم والصحة، والانتصار للريادة والشباب، والرقمنة والبيئة، وعصرنة التكنولوجيا وتطبيق مفاهيم الحوكمة السليمة والحكم الرشيد.

 

العالم الجديد الذي ينتظرنا، ليس العالم الوردي الذي اعتقدنا أن العولمة وتكنولوجيات الاتصالات كانت ستقود إلى ولادته، وإنما هو العالم الرابع الذي سيضم أولئك الذين زادهم وجودهم في العالم الثالث فقرا وانعزالا، إلى أن جاءت كورونا فدمرت براعم الأمل، وأجهزت على طموحات وأحلام تلك الدول، خاصة الأقرب لكونها دولا فاشلة. أما العالم الثالث فسيشهد انضمام دول متقدمة سابقا إلى ناديه، بفعل انهيار اقتصادياته وحاجتها لخطة مارشالية لإعادة الوقوف على أقدامه.


وحتى أكون أكثر صراحة فإنني أتحدث عن دول أوروبية، إضافة إلى دول عدة فقدت السيطرة في عصر كورونا، فسخرت كل مواردها لإنقاذ ذاتها، بل لعل ما قاله رئيس وزراء إيطاليا قبل أيام كان الأكثر إيلاما على الجميع عندما قال: بأن الناس كانت تموت لتحيا إيطاليا، وقد آن الأوان لأن تموت إيطاليا لكي يحيا الناس.


إن الفوز ببطولة العالم في كورونا لن تكمن في التميز بحجم الدمار، وإنما في القدرة على وقف عجلة هذا الدمار، وإعادة بناء الدول لذاتها. وعليه فإن المخلّص الوحيد لكل الناجين من محرقة كورونا لن يكون إلا أولئك الذين امتلكوا المعرفة وامتلكوا معها الحكمة المطلوبة لتوظيفها لخدمة مجتمعاتهم واقتصادياتهم.

 

أما العالم الرابع الجديد فسيحتاج إلى بداية جديدة مع الحياة ليعيد هذا العالم ومن فيه اختراع العجل وفك الشيفرة الجينية للانتعاش والعودة إلى الحياة، تحت وقع الاستبداد واستفحال الجشع والفساد والديكتاتورية وقتل الناس ليحيا القائد.


عن صحيفة "القدس العربي"

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"