لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها إدارة "فيسبوك" مني موقفاً قمعياً، فقد فعلت هذا من قبل، ومما يؤسف له أن القرار في كل المرات، كان بسبب ذكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وفي كل مرة كان يتم التفتيش في الدفاتر القديمة!

في السابق تم استدعاء منشورات كتبتها على صفحتي على "فيسبوك" في سنة 2009، مع العدوان الإسرائيلي على غزة، ومن الطبيعي أن أنحاز لغزة وأهلها، ولحركة المقاومة التي تصدت لهذا العدوان وأوقعت به هزيمة مشرفة، أنكرها أهل الحكم في القاهرة وأشياعهم واعترف بها الإسرائيليون أنفسهم، وأنهت المستقبل السياسي لرئيس الوزراء إيهود أولمرت. وقومنا في القاهرة كانوا يعتبرون أن هزيمة "الصديق الإسرائيلي" وانتصار المقاومة هو هزيمة لهم، ومن هنا كانت محاولة "الإنكار" الفاشلة!

كنت أقرب ما أكون إلى معلق على الأحداث، ولكني مع هذا كنت منحازاً لغزة وصمودها ولحماس وقدرتها على الردع، ولا أعرف ما إذا كان الأمر حينذاك عادياً، وأن معايير "فيسبوك" تغيرت في وقت لاحق، لأن القائمين عليه لا يتحركون إلا وفقا لبلاغات، كنت أعلم على وجه التحديد من قاموا بها معي بعد سنوات من كتابة هذه المنشورات ونشرها، إذ كنت قد بدأت في كشف هؤلاء الذين استعانت به أجهزة أمنية دولية ومحلية في اختراق معسكر رفض الانقلاب، وفرض خطابهم الذي يقطع علاقة هذا المعسكر بالشعب،  وحصاره بعيداً منبوذاً. والدعوى المرفوعة هي أننا عندما ننتصر سنقتل هذه المرة آخر عسكري بأمعاء آخر قسيس، وهو خطاب يحض على الكراهية، لكن إدارة "فيسبوك" لم تر فيه ذلك، ربما تواطؤاً مع هذا الخطاب، وهذا يقودنا إلى سؤال حول ما إذا كان "فيسبوك" هو وسيلة إعلامية، أم جهة مخابراتية!

فكيف لا يرى في خطاب يتحدث عن القتل والصلب والأمعاء أنه ليس خطاباً يخالف معاييره، وإنما مخالفة المعايير هي مع مجرد ذكر حركة حماس، ولو بمجرد كتابة الاسم وبدون أي تعليق؟ ولهذا فقد هرب الناس إلى كتابتها حروفا "ح م ا س"، وظني أن الإدارة الرشيدة له ستتنبه لذلك في وقت لاحق. والجديد أن مخالفة المعايير ليست في مجرد ذكر اسم الحركة ولكن في ذكر أحد قياداتها!

عزاء خالد مشعل:

ففي الأسبوع الماضي تلقيت ذات صباح أكثر من ست رسائل من إدارة "فيسبوك"، تخبرني مع كل رسالة أنني خالفت معاييرهم، بأن كتبت عن حركة حماس في سنوات تالية لسنة 2009، فلا أظن أنه بقي في هذا العام منشور واحد لم يتم تقديم بلاغ فيه، ولم يكن في المنشورات الجديدة ما يفيد أنني متحرف لقتال أو متحيز لفئة في زمن الحرب!

فأحد هذه المنشورات (بوست) اعترضت فيه على حكم قضائي صدر من محكمة غير مختصة في مصر، بإدراج الحركة ضمن الكيانات الإرهابية، فماذا في هذا أغضب السيد مارك ورأى فيه مخالفة لمعاييره، إلا إذا كان مجرد ذكر اسم حركة حماس؟!

في منشور آخر لم أكن فعلت أكثر من تقديم "واجب العزاء" للسيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة وقتئذ، في وفاة والدته رحمها الله، وجاء التحذير المرفق للبوست: "يخالف هذا المنشور معاييرنا بشأن الأشخاص الخطرين والمنظمات الخطيرة، ولذلك لن يراه أي شخص آخر"!

فمن يقول لـ"مارك" ولحلفائه إن تقديم العزاء ليس تهديداً للأمن والسلم الدوليين، ولكنه من الواجبات الاجتماعية التي يقوم بها الناس ولو لخصومهم؟ ولهذا سمي في ثقافتنا "واجب العزاء"، لكن من أين سيعلم ويعلمون ثقافة مجتمعات اخترقوها حتى الإدمان، ثم جاؤوا بعد هذا ليفرضوا معاييرهم هم كمنحازين للصهيونية وتسلطها، ولا يقبلون معاديا لها ولو بشطر كلمة، ولا يقبلون ولو تقديم واجب العزاء لقيادي بالحركة؟ لنكون بذلك أمام مشهد لتجار الكيف في الدراما العربية، عندما يقومون بغواية الناس بالإدمان المجاني غير المكلف مادياً، للسيطرة عليهم، حتى إذا وصلوا لهذه المرحلة فرضوا هم معاييرهم الخاصة، فالجرعة بثمنها، وهي الدراما التي شهدتها مصر مع ظهور ما سمي بأفلام المقاولات!

الجديد:

ويبدو الجديد هذه المرة أن التحرك لم يكن وفق بلاغات، ولكنها عملية جرد قامت بها إدارة "فيسبوك"، لأنه في اليوم الذي تلقيت فيه هذه الإنذارات، أعلن كثيرون أنهم تلقوا إنذارات مثلها على منشورات كتبوها أيضاً عن حماس وضد إسرائيل، كما لو كانت مخالفة معايير النشر على "فيسبوك" تم تحديدها في بند واحد، وهي في كتابة اسم حماس وأحد قياداتها، وفي رفض العدوان الإسرائيلي، على نحو يجعل من إسرائيل عندهم مقدسة لا يجوز بشأنها الهجوم أو النقد، فأي منطق في هذه المعايير؟!

والجديد أيضاً هو في نوعية العقوبة المفروضة، ففي السابق كانت العقوبة متدرجة بمنع النشر واستقبال الرسائل والرد عليها لمدة أربع وعشرين ساعة، ثم لثلاثة أيام، وفي المرة الثالثة كانت العقوبة هي الحظر لمدة أسبوع ثم لشهر، وقد خضعت لهذه العقوبات جميعها وحظرت لمرتين متتاليتين لمدة شهر في كل مرة!

بيد أن العقوبة الأخيرة تمثلت في منعي من البث المباشر لمدة ثلاثة شهور متصلة، وإذ دخلت مؤخراً عالم "يوتيوب" فإنني أقوم بالبث المباشر عبر "فيسبوك"، مع استخدام خاصية تحديد صديق واحد لتحميل الفيديو بعد ذلك وبثه عبر قناتي الخاصة ومنه لمواقع التواصل الأخرى ("فيسبوك" و"تويتر")!

قضية العرب المركزية:

والحال كذلك، فلا يجوز لنا الاستسلام وفق نظرية خضوع المدمن لتاجر الهيروين، بتقبل هذا القمع وفرض الصمت في قضية العرب المركزية، فماذا بقي لنا؟!

إن هذا التعسف يأتي مع نهاية مرحلة الشغف بالسوشيال ميديا، فهناك عقبات تحد من عملية الانتشار، فليس كل من سجلوا كمتابعين لأحد تصلهم منشوراته لأن سياسة "فيسبوك" مثلا تقوم بالحد من الانتشار بعد اعتماد خدمة الترويج المدفوعة، وإذا كان هذا على مستوى المنشورات التي توضع عليه، فإن قيودا في الانتشار أكبر عندما يكون الأمر خاصاً بروابط خاصة بمنصات أخرى، كروابط المواقع، أو فيديوهات يوتيوب. ومن المقرر أن تضع إدارة "فيسبوك" مزيداً من القيود على عملية تحويله لمنصة للترويج، فإنه تفكير جدي في التعامل مع روابط الأخبار والمقالات والفيديوهات معاملة الإعلانات، إن لم يتوقف عن التعامل معها تماماً.

ومع هذا التضييق الشامل، يصبح واجب الوقت هو تأسيس منصات عربية لا تقيد حريتنا ولا تكمم أفواهنا، ولا تجعلنا مدمنين عند تاجر جشع للهيروين يفرض علينا سياساته!

إن مؤسسات عربية كبرى تهدر ملايين الدولارات، ومع ذلك هي مستهلكة كالأفراد لهذه المنصات، بدلاً من أن تكون لها منصاتها الخاصة.

بدون هذا من حق "مارك" أن يحكمنا، وأن تصبح حماس هي "ح م ا س"!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"