عدد من المسلّمات التي اعتقد العالم أنها هنا لتبقى قد سقطت أو في طريقها إلى السقوط بسبب ما أحدثه جائحة العصر «كورونا» في عالمنا، كما أن عددا من الظواهر قادمة للجنس البشري لا مفر منها، وربما تلك المسلّمات، وهذه الظواهر تكمن في حزم أربع هي:


أولا: سقوط فكرة التنبؤ المستقبلي، وهي ليست جديدة لكن العالم كثيرا ما ينسى. نحن اليوم أمام تغير في تنبؤات كان العالم يعتبرها يقينية حتى أشهر قليلة مضت: ازدهار اقتصادي، وتواصل أممي، والقضاء على الحروب والمجاعات، وخطط تنموية انفجارية وغيرها، كلها تبخرت في بضعة أسابيع. لقد كان ذلك تقريبا ما حدث في السابق، فقد تقدم العالم إلى القرن العشرين تاركا خلفه كمّا من الحروب في عدد من المناطق في العالم أهلكت الحرث والزرع، فكان قدوم القرن العشرين فاتحة أمل للعالم ذلك اليوم من تقدم صناعي ضخم، وتقدم في المواصلات غير مسبوق، وأن العالم على شفا سلام شبه دائم تسيطر عليه قوة إمبراطورية لا تغيب عن ممتلكاتها الشمس. وقبل أن تنتهي العشرية الثانية من القرن اندلعت الحرب العالمية الأولى، وخلّفت ملايين فوق ملايين من القتلى وخراب المدن، وخرج العالم إلى أمل جديد في «عصبة الأمم» و«حق تقرير المصير» وانتعشت الآمال من جديد! إلا أن العالم ما لبث بعد بضع سنوات أن دخل في «الكساد الكبير»، ومن ثم في حرب عالمية ثانية، بعد أقل من ربع قرن على انتهاء الأولى. وهكذا سقط في تلك الحرب من جديد ملايين من أرواح البشر، وأصبحت المدن خرابا على رأس أهلها، وفقدت القوى التقليدية قوتها وظهرت قوى جديدة في العالم.

 

كان رأس القطبين، الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية، وفقط بعد ما يزيد قليلا على ربع قرن سقط أحد القطبين سقطة مدوية، فانهارت منظومة القطب الثاني (الاتحاد السوفياتي) بداية من سقوط حائط برلين 1989 (بعد أن بقي 28 عاما فقط) وتهاوت بعد ذلك الإمبراطورية. فالدائم لدى كثيرين أصبح مؤقتا جدا في حساب التاريخ، إلا أن ذلك السقوط أثر بشدة في المعسكر الآخر، الذي تعب من الحروب، فانكفأ على نفسه وأصبح العالم تقريبا بلا رأس أو قيادة! إذن لم يعد بالإمكان التوقع في الشأن الإنساني كما الشأن الطبيعي أكثر من مد البصر. صحيح أن مقولة معروفة في السياسة ترى أن عليك «توقع غير المتوقع»، ولكن تلك الحكمة تركت السياسة لتذهب إلى الاجتماع والطبيعة سوية. كل الكتب التي قرأناها حول التنبؤات لم تعد منهجيتها تفيدنا اليوم، وتحول اليقين إلى شك. تلك حقيقة راسخة لم يكن الإنسان من قبل ومن بعد يرغب في الاعتراف بها.

ثانيا: سقوط الآيديولوجيا. مع النقص الشديد في الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لمدينة كبرى مثل نيويورك، حيث انتشرت الإصابات، لم يتأخر حاكمها أندرو كومو في مطالبة الحكومة الفيدرالية «بتأميم» مصانع إنتاج تلك المعدات وتقديمها للولايات المحتاجة بثمن إنتاجها، فلم يعد التنافس مطلوبا في الأسعار لأن سقفه ليس له نهاية، وكل ذلك على حساب صحة البشر. كلمة تأميم منذ أسابيع خلت كان «مفهومها محرّما» في «قلعة الرأسمالية العالمية». وتسارع الصين (الاشتراكية) على أخف تعبير لمساعدة وإنقاذ الدولة الأولى التي وضعت لبنات الاتحاد الأوروبي (إيطاليا)، بل وتقبل دول أوروبية مساعدة كوبا (الاشتراكية) مرة أخرى؛ لأن الأخيرة حضّرت طواقم طبية متعددة الاختصاصات ولفترة طويلة بهدف الاعتماد على النفس. وسارع العالم بما فيه الدول التي كانت ترفع باطراد منذ أسابيع قليلة الضرائب الجمركية على بضائع الصين فيما عرف بالحرب الاقتصادية؛ سارعت أولا بإسقاط تلك التعريفات والضرائب، والتزود بالمنتج الصناعي الصيني، لأنه وافر عندهم وغير متوفر عند الآخرين في هذه الظروف الحرجة!


ثالثا: اختفاء الحقيقة. يقال إن أول ضحية في الحروب هي «الحقيقة» وهي كذلك في الأوبئة، خاصة تلك التي لا يعرف الإنسان مصلا لها أو عقارا منجيا منها في حال الإصابة، فالعالم لا يعرف على وجه اليقين (حتى الآن على الأقل) كيف نشأ وتطور هذا الفيروس، حتى لو أجهدتك نفسك في البحث عن مصادر دقيقة من متخصصين لمعرفة يقينية للتعرف على عناصر «كيف ولماذا»، فلن تجد إجابة تعرفك كيف ظهر هذا الفيروس، حيث إنك أمام إجابات متعددة، بعضهم يرى أن ذلك ردة فعل من الطبيعة التي لعب الإنسان في توازنها منذ فترة وما يزال، فشهد العالم فيضانات وحرائق؛ أي إن صيحة المناخ العالمي تحولت إلى أزمة! ومنهم من يرى أنها بسبب تعاطي نوع من المأكولات ملوثة في الصين، انتقل تعاطيها إلى الإنسان، بجانب مصفوفة أخرى من التفسيرات التي تصل إلى الفضاء السياسي.

 

فمن يرى أن «التكتيم» و«النفي» في البداية على الأقل أفقد البشرية وقتا ذهبيا للتعاطي مع هذا الفيروس، دون أن تخطئ في الملاحظة إن قلت إن هناك حظا من التسييس في بعض التفسيرات، بالطبع هناك اجتهادات كثيرة، ولكنها ما زالت في مكان التوقع ولم ترتقِ إلى حضن العلم الدافئ!


رابعا: خلل فادح في الثقافة الشعبية. اعتمد الإنسان حتى حينه على احترام الثقافة الشعبية، إلا أن الجائحة كشفت خللا هيكليا في هذه الثقافة، من الاعتماد على «حصانة القطيع» التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني في بداية الأمر، فكانت مدمرة إلى التهوين من الجائحة في الولايات المتحدة من أعلى السلطات وتفضيل الاهتمام بالاقتصاد قبل صحة الناس. إلا أن الأكثر تدميرا، ما أصبح في فضائنا العربي واقعا مؤلما، ولعل تلك الصيحة التي أطلقها أحد المسؤولين الصحيين في إحدى دول الخليج والتي قالت: «مع الأسف لم يلتزم بالحجْر الصحي وخالط آخرين فنقل الفيروس إلى عشرة أشخاص».

 

تلك صيحة محزنة لثقافة مستهترة. بجانب قيام البعض بتوزيع الإشاعات وإطلاق الأكاذيب والتخرص فيما لا يفقه، وتشاع تلكم الأخبار بين الناس على أنها حقيقة، كما يقوم البعض بالتحريض العلني ضد الحجْر. والأكثر فجاعة انتهاز محتالين أو نفعيين أو جهلة يمتطون النصوص الدينية طبقا لأهوائهم وأمزجتهم ورغباتهم، فيرسلون نصوصا إلى العامة وتفسيرا يربط بين النص الديني وحصول الجائحة، فيتجرأون على النص دون علم، ويتداول البعض تلك التفسيرات بقناعة. ذلك أكبر فجوة ثقافية أظهرها المرض! يصاحب كل ذلك في مكان آخر شيء من الرواج لمنتهزي الفرص للترويج لأدوية أو بضائع مغشوشة، تظهر لؤما وخبثا، مما يشكل عبئا مضافا على مؤسسات الضبط القانوني، كما تُظهر فقرا ثقافيا وأخلاقيا معيبا. حاجة البشر لمراجعة تلك المسلّمات، لم تعد ترفا بل أصبحت أولوية!


آخر الكلام


تابعت ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي بعضه ظريف فكتبت إحداهن: «نصيحة: أحسن علاج لـ(كورونا) حتى اللحظة هو حامض الخليك، مركب من ثلاثة عناصر: (خليك في البيت، وخليك لحالك، وخليك ساكت وبطل إشاعات!!)».

 

(الشرق الأوسط اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"