(1)
هل تبقى كلام لم يقله لسان العالم في موضوع كورونا؟

لا أعرف، لأنني لم أسمع كل ما قيل، فالصراخ والهلع والعبارات المكررة تخفي عنا الكثير من الكلام المفيد، كما تركز على اللحظة الآنية غافلة عن السياق وعن التاريخ، لهذا تساءلت:

هل كورونا قاتل بلا تاريخ، بلا سوابق إجرامية، بلا سبق إصرار وترصد؟

هل ظهر صدفة؟ وأثار كل هذا الهلع والخواء والخراب صدفة؟

(2)
للمتعجل أقول: إنني لا أؤمن أبداً بالصدفة، ومع ذلك أعترف بوجودها..

- هل هذا تناقض؟

نعم، لكنه تناقض خلاق مليء بالتعقيدات والمفاهيم التي يصعب على المتعجل إدراكها. باختصار شديد الوضوح أقول: إن الصدفة عندي هي قانون لم أعرفه بعد.

من هذا الفهم البسيط أكتب هذا المقال لغير المتعجلين، للراغبين في البحث عن القوانين الغائبة والإرادات (الظاهرة والخفية) في حالة كورونا وفي غيرها مما يحدث فينا وحولنا.

هذا التناول المركب يجب أن يتحاشى تسفيه فكرة التصنيع، واختزال كل فعل إنساني في مصطلح "المؤامرة" الذي لوثته عقلية الاستسهال والغيبيات، كما يجب أن يتحاشى الارتكان الساذج لفكرة أن العالم يمضي وحده بريئاً، واضعا يده في جيوب بنطلونه ويصفر منتشيا بلحن السعادة، ويتصرف بعفوية المصادفات سواء كانت سيئة أو حسنة، من غير وجود قوانين حاكمة وإرادة مسبقة.

(3)
أشعر بافتقاد كبير للدكتور أحمد مستجير، برغم أنني المستجير الآن وليس هو.. أشعر بحنين طاغ لاستعادة الدكتورة فاطمة نصر، فليس لكلامي قيمة كبيرة في غيابهما، حيث اقترح الدكتور مستجير منذ سنوات عددا خاصا من مجلة "سطور" عن "اليوجينيا"، وشرح بحماس شديد هوس العالم بهذا النوع من العلم الذي يسعى للتدخل في الجينوم البشري وتحسين النسل الإنساني، ليس عن طريق التحكم في الصفات الوراثية فقط، بل وتصنيع ذلك كله، حتى أن الأم يمكن أن تذهب إلى "سوبرماركت جينات" لتشتري طفلها حسب المواصفات التي تختارها سلفا.

وفي تلك السنوات الأخيرة من نهاية القرن الفائت اخترت دراسة عن اليوجينا كما قدمتها السينما العالمية، وقادتني الدراسة إلى ربط اليوجينيا بهتلر ومفاهيم النازية، وبمفاهيم "السايبرنيتيك" التي تمزج بين الآلة والجسم البشري وتطورات فكرة الروبوت كبديل للحياة البشرية، وليس مجرد مساعد للإنسان، كما قادتني لمناقشة أفكار مالتوس ومقاله الهمجي عن قضية السكان باعتبارهم جرادا يهدد محصول الغذاء في العالم، وكتابات ميشيل فوكو عن الهندسة الاجتماعية، حيث يؤدي التحكم التنظمي الاستراتيجي في الجسد ونوعية الجنس إلى تحكم حتمي في السكان ووظائفم، بل وضروة وجودهم نفسه.

وقفزت إلى رأسي أسئلة كثيرة عن مصير البشر في حال المضي بجدية في واحد من تلك السيناريوهات المخيفة، التي تبدو قريبة من الخيال العلمي، أو روايات الكوابيس، أو أفلام الكوارث التي تسيطر فيها الآلة أو كائنات فضائية أو مسوخ التجارب السرية على كوكب الأرض.

(4)
ما هذا الكلام؟

هل أريد أن أكرر ولكن بحذلقة معرفية ما يقوله كثيرون عن تصنيع أمريكا أو الصين لفيروس كورونا لهدف ما؟

لا أحب هذه الأسئلة، ولا أحب الإجابة عليها، أحب التقصي، أحب التعمق في الظاهرة وأصولها وتاريخها، فكل ظاهرة لها جذور وتاريخ، ولا يجب على العاقل والمتأمل أن يسارع بقضم التفاح الذي يسقط فوق رأسه، لأنه بذلك يقتل أي نيوتن محتمل بداخله، لذلك فكرت في الكلام الشائع عن المؤامرة: هل هو مجرد كلام نابع من عقليات مريضة تضع الصرصور دائما في طعام الغرب؟ أم أنه حديث عامي عن قضية علمية وتاريخية شديدة التعقيد؟

بادرتني سريعا قصص إغريقية ورومانية قديمة عن وضع مواليد إحدى الممالك فوق قمة جبل جليدي في ظروف مناخية صعبة، فمن يعيش هو الأجدر بالحياة كفارس قادر على حماية المملكة والدفاع عنها، ومن يموت فقد وفر جهد التربية وتكلفة الغذاء. والمؤسف أنني وجدت ظلالا رمادية من هذه المرويات الأسطورية والفلكلورية في أفكار داروين العلمية، ثم وجدت تأثيرات كبيرة للداروينية على أفكار هتلر وما قيل عن دوافع العنصرية والحديث عن الجنس الآري وتفوقه على ما عداه من البشر، وكذلك عن فلسفته في تنفيذ الهولوكوست، ولم يقف الأمر عند هتلر برغم شيطنته في أوروبا وامريكا، لكن سؤال: من يستحق العيش؟ امتد من مجاهل التاريخ الإنساني إلى "مالتوس" في نهاية القرن الثامن عشر، إلى السير الاستعماري البريطاني جوليان هكسلي (أول مدير لليونسكو في تاريخه)، عالم البيولوجيا الذي احتقر الفقراء ووصفهم بأنهم كائنات منحطة من الناحية الوراثية والجينية، وطالب في مقال بعنوان "العالم المزدحم" بتخفيض أعدادهم وإخلاء العالم من غير المفيدين!

(5)
فيها إيه لما يموت كام ألف علشان الباقي يعيش كويس؟

سمعنا مثل هذه التعبيرات عقب اندلاع ثورة يناير، كلسان حال للسلطات التي تريد إخضاع المجتمع بمنطق إزاحة الأعداد الضارة من البشر، لإعطاء الباقي فرصة أفضل للحياة.

المنطق ليس خفيا إذاً، وليس مهجورا إذاً، والجهر به يحتاج فقط إلى مبررات تستند إلى كلام ناعم يتمسح في العقلانية والمنطق ويتحدث عن وجود فئة أجدر بالحياة من فئة أخرى، صارت كثيرة الأعباء والضرر.

هل صار العالم كهلا بحيث يجب تجديد شبابه بوسيلة ما؟

هل ضجت الحكومات وكارتلات رجال الأعمال من ميزانيات المعاشات والرعاية الصحية، فوجب الترشيد والتخفف بالتخلص من الجياد العجوزة؟

هل نحن أمام "حرب جينية" لهندسة السكان حسب متطلبات مرحلة جديدة من مراحل الرأسمالية المميكنة، رأسمالية السايبرنيتيكس وعبودية الآلات المطيعة بلا سترات صفراء ولا إضرابات نقابية ولا أعباء متوارثة؟

(6)
الأسئلة ليست للإثبات والإدانة والنطق الحكم، لكنها تظل أسئلة تحتاج إلى تحقيق وتدقيق قبل أي إجابة سهلة ومتساهلة، فالتاريخ الحديث يذكرنا بتبني الحكومات في بلدان كثيرة من العالم لحملات الحد من التناسل، كما تذكرنا بمؤتمرات السكان الدولية وتوصياتها، فهل فشلت المواعظ والدهانات الموضعية وأدوية الشراب وحانت لحظة التدخل الجراحي؟

قبل أن تتسرعوا في إي إجابة، فكروا أكثر، وتأملوا أكثر، ولأن التفكير السليم والتأمل المنتج يحتاج إلى معلومات، أضع أمامك بعض المعلومات السريعة العالقة في ذاكرتي المنهكة: إسرائيل تشن حربا ديموغرافية ضد الفلسطينية بحيث تقطع نسلهم بينما ترفع هي معدلات التناسل والهجرة إليها.. كذلك تفعل أوروبا في معايير الانتقاء التي تضعها لدخول العمالة والمهاجرين من فئات عمرية وتخصصات ذات صفات معينة. وكذلك تحرك المحافظون الجدد في أمريكا لدعم سياسات زيادة السكان، وعارضت إدارة بوش في العلن كل الصيحات التي تدعم الإجهاض وترويج وسائل منع الحمل، بينما كانت تضغط على دول أخرى في أنحاء العالم لتطبيق سياسات معاكسة للتحكم في الخصوبة والتناسل مقابل قروض ومعونات مخصصة لهذا الغرض!

(7)
من يستحق العيش؟

سؤال محوري في النفوس العنصرية التي تغيرت أشكالها وملابسها وصفاتها، بينما استمرت وظيفتها في نهب وتخريب العالم واستباحة ضربه بالقنابل الذرية، والمبكي أن الدولة الأكبر التي تشكو من تليف رئة الأرض، هي نفسها الدولة التي تمتنع عن التوقيع على اتفاقيات المناخ وحماية الكوكب من التلوث، وهي الدولة التي يتجاسر رئيسها على التبشير بأن النظام العالمي المختل سيبقى ويستمر، وأن الولايات المتحدة ستظل على رأسه، وبالرغم من أن الفيروس الغامض يصرب بنفس الطريقة التي صرب بها الإنسان الأرض، فيصيب الرئة ويمنع الأوكسجين.

إلا أن سؤال التصنيع والانقلات يبقى عالقاً، ويبقى بحاجة لبحث أوسع، لكن محاولة الفهم التاريخي تبدو بالنسبة لنا أكثر عدالة من الفهم الجنائي، فهذا النظام العالمي الظالم "نظام قاتل"، حتى لو لم يطلق بنفسه هذه الرصاصة عامدا، قد يكون بريئا من الفعل المباشر، لكنه أبدا ليس برئيا من التحريض، وليس بريئا من العنصرية، وليس بريئا من الاستخدام السيئ للعلم، وليس بريئا من استنزاف موارد الأرض وعرق الناس في إشعال الحروب وتضخيم الثراعات وقهر الشعوب.

لكن هل تضررت العولمة؟

هل أصيبت في مقتل؟

أم أنها تلقت مصلا بتجديد شبابها والعودة بقوة أكبر؟

هذه أسئلة ضرورية تستحق تفكير ودراسة وكتابة..

فهلموا..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"