حقّق المرشح الديمقراطي ساندرز في الأيام الأخيرة الكثير من التقدم، فهو بكل المقاييس صاحب القاعدة الشعبية الأهم في الحزب الديمقراطي، إذ يحيط به الشباب والشابات من كل الخلفيات والأعمار، كما أنه يخاطب التنوع الأمريكي وضرورة تثبيت الحقوق المانعة للعنصرية والانتهاك. في هذه الحملة يمثل ساندرز قيماً ديمقراطية بنكهة اشتراكية تركز على العدالة الاجتماعية والتعليم الأقل كلفة والضمان الصحي لكل الناس. ساندرز صاحب أطروحة بدأت تحرك قطاعاً هاماً من المجتمع الأمريكي الساعي للتصدي لإعادة انتخاب الرئيس الحالي ترامب.

لقد انفتح الصراع الأمريكي ـ الأمريكي على مصراعيه، فبين مدرسة ترامب التي تحابي كبار الشركات من خلال التسهيلات في الضرائب على أمل أن يؤدي هذا لتنشيط الاقتصاد وبين مدرسة ساندرز الذي يؤكد على ضرورة التركيز على الضمانات للفئات الاجتماعية التي تزداد تهميشا يدور الصراع الراهن من خلال الحملة الانتخابية. ويقود ساندرز حراكا هدفه منع استمرار سيطرة أقلية صغيرة من المواطنين على الأغلبية من خلال ملكيتهم للاقتصاد ولشركات وول ستريت.

ويقع الانقسام الأمريكي – الأمريكي على كل شيء. فهناك قاعدة أمريكية كبيرة مؤيدة لترامب وللمسيحيين الإنجيليين واللوبي الصهيوني، وهناك قاعدة تزداد قوة لساندرز، هذه القاعدة تريد واقعا اقتصاديا وطبقيا ومعيشيا عادلا. الخلاف يصل لكل القضايا بما فيها السياسة الخارجية المتعلقة بالموقف من إسرائيل واحتلالها، وهذا يتضمن الموقف من الصين وأوروبا والحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.


وبينما يهمل ترامب بصورة شاملة كل القضايا المعلقة بالبيئة، يزداد اهتمام الحملة بقيادة ساندرز بقضايا البيئة والمناخ، فساندرز مؤمن بأن عدم الاهتمام بالبيئة سوف يؤدي لكارثة إنسانية مدمرة. إن ساندرز ملتزم بوضع قيود وكوابح على حرية رأس المال في استغلال كل شيء، وفي تدمير البيئة. ويرعب حراك ساندرز الحزب الديمقراطي الذي لا يريد أن يرى ساندرز صاحب النكهة الإشتراكية في المقدمة. وبينما يراهن الحزب الديمقراطي على رجل الأعمال بلومبيرغ، إلا أن بلومبيرغ أخفق بصورة واضحة في أول مواجهة مع جميع مرشحي الحزب الديمقراطي وقعت منذ أيام. لقد دفع بلومبيرغ مئات الملايين في نشر إعلانات حول حملته، لكن ذلك لم يكن عوناً له أمام ضعف موقفه. من جهة أخرى إن المرشح بايدن (نائب رئيس الجمهورية السابق) هو الآخر يزداد ضعفا ويخفق في كسب الأصوات المطلوبة للترشح.

وسيواجه ساندرز تحدياً كبيراً في ترتيب الفوز بترشيح حزبه للانتخابات الرئاسية، فمؤتمر الحزب سيعقد في تموز/يوليو 2020، وهناك احتمال يزداد وضوحا بأن ساندرز سيفوز بأغلبية الأصوات. بل هناك خطورة أن يتلاعب الحزب الديمقراطي بالنتائج، مستغلا بعض الثغرات في قوانين مؤتمر الحزب، مما قد يؤدي لحرمان ساندرز من الترشح. إن عدم فوز من يأتي بأغلبية أصوات قواعد الحزب قد يفجر الحزب الديمقراطي من الداخل. وإن نجح ساندرز في كسب ترشيح الحزب الديمقراطي يكون قد خطى خطوة كبيرة في وضع الشروط لإمكانية هزيمة ترامب. بل يبدو من كل التوقعات للآن أن الوحيد القادر موضوعيا على هزيمة ترامب وتحديه هو ساندرز وذلك بسبب قاعدته الشعبية الكبيرة وبسبب قدرته على استقطاب جيل الشباب بوضوح وحزم.

وبينما تخاض معركة الانتخابات الأمريكية لا يقدر الأمريكيون مدى التدمير الذي ألم بمؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية الديمقراطية، بل لا يوجد تقدير حقيقي لمدى الضرر الذي سيلحقه ترامب بمؤسسات الولايات المتحدة السيادية لو أعيد انتخابه. إن أي مراجعة للاستقالات التي ضربت هذه الإدارة ولطبيعة التعيينات في المؤسسات السيادية تؤكد بأن الوقت ليس لصالح الولايات المتحدة. إن سنوات أربعاً أخرى للرئيس ترامب ستكون كفيلة بتدمير مصداقية الولايات المتحدة الدولية بالإضافة لتراجع مكانة وآلية عمل مؤسسات الولايات المتحدة السيادية.

وسيبقى السؤال هل يفوز ساندرز برئاسة الولايات المتحدة في حالة فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي في تموز/ يوليو 2020؟ سيكون هذا سؤالا مفتوحا لليوم الأخير من الحملة الانتخابية. لقد أصبح النزاع بين الأمريكيين حاداً، فهذه حملة تتميز بالخطورة خاصة وأن القواعد الانتخابية تعيش حالة توتر لم تعرف الولايات المتحدة مثيلاً لها منذ الحرب الأهلية في أواسط القرن التاسع عشر. ويجب أن لا ننسى أن السلاح ينتشر في المجتمع الأمريكي بسبب القوانين التي تجيز حمله. بين أن يفوز ترامب أو لا يفوز من المؤكد بأن الانتخابات القادمة ستكون نتيجتها متقاربة للغاية. لقد احتدم الصراع لدرجة أن الولايات المتحدة قد تشهد نزاعا حتى على نتيجة الانتخابات. الأزمة الأمريكية في تطور وفي حالة احتراق.

 

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"