لا قيمة للخوض في تفاصيل المخطط الأميركي الصهيوني المسمى صفقة القرن، لا من أجل إقناع الفلسطينيين والعرب، ولا لإقناع غيرهم من الشعوب الأخرى، لانتظار مواقف مساندة للحق الفلسطيني ورافضة لتلك المخططات. مبكرا الفلسطينيون جميعا أعلنوا رفضهم للصفقة قبل إعلان تفاصيلها، وطالما أنها بدأت بمصادرة القدس والجولان وإعلان الحرب على قرارات الأمم المتحدة التي تتصل بالحقوق الفلسطينية، رغم أنها مجزوءة ومجحفة.


الصفقة مرفوضة بمجموعها وبكل تفاصيلها، وهي لا تصلح أرضية لمفاوضات، أو لإدخال بعض التحسينات عليها، وذلك بخلاف مواقف بعض العرب والأجانب التي تراها مدخلا لمفاوضات يمكن أن تكون مقبولة من الفلسطينيين.

 

ولكن من المهم رؤية بعض المؤشرات الدالة على طبيعة المخطط الصهيوني وأبعاده وأهدافه، وربما الاستنتاجات العامة، التي تتعلق بالشعب الفلسطيني.

 

لا نعتقد أن ثمة من يجادل بعد إعلان الصفقة، في أنها أزالت كل الحدود والخطوط الخضراء والصفراء بين أبناء الشعب الفلسطيني داخل ارض فلسطين التاريخية. الصفقة بما تنطوي عليه عمليا، تكون قد وحدت الشعب الفلسطيني بأسره، من حيث البرنامج والمشروع والأهداف وربما التمثيل الجامع. أن كان ثمة خصوصية للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل أو في القدس، أو غزة، أو غيرها، فإن هذه الخصوصية ليست سوى تفاصيل في اطار المشروع العام التوافقي، قد تفرض اختلافا في الوسائل والأساليب المستخدمة في مواجهة المخطط الصهيوني.

 

الصفقة عمليا تشير إلى التالي:

 

أولا: إسرائيل تصر على تعريف نفسها على أنها دولة يهودية بما يكرس قانون القومية الذي سبق للكنيست أن أقره، ما يعني أن الأراضي التي ستعلن إسرائيل السيطرة عليها، ينبغي أن تكون خالية تماما من أي أقليات قومية مختلفة.

 

هذا يشير إلى أن إسرائيل لا يمكنها أن تجمع بين الديمقراطية والعنصرية وهي تختار العنصرية ونظام الأبارتهايد. وبما أنها تعرف ذاتها، وهويتها على هذا الأساس، فإن ذلك سيكون الطريق للتسبب بانهيارها.

 

إن كانت الكلمات التي تتضمنها الصفقة غير كافية للإشارة إلى ما هو قادم من المخطط الصهيوني، فان اقتراح أو على الأرجح قرار ضم منطقة المثلث بسكانها الذين يفوق عددهم الثلاثمائة الف فلسطيني إلى الدولة الفلسطينية يمنح الكلمات أبعادا حقيقية.

 

إسرائيل إذا تمارس جوهر المشروع الصهيوني الإجلائي الإحلالي، ووجود نحو سبعمائة ألف مستوطن في الضفة الغربية، وما هو قادم من تهجير الفلسطينيين، يؤكد الطبيعة الاستعمارية العنصرية لهذا المخطط.

 

ثانيا: إسرائيل وفق الصفقة، تعيد رسم حدودها وأيضا بشكل مؤقت، ففي المرحلة الأولى ستقوم بإعلان السيادة على مناطق المستوطنات، وغور الأردن وشمال البحر الميت، لكن المرحلة اللاحقة، ستشهد مخططات تؤدي إلى السيطرة الكاملة على كل ما يسميه اليهود بـ "يهودا والسامرة"، ما يعني أن الصراع يعود إلى بداياته الأولى.

 

في هذا السبيل تعرض الصفقة على الفلسطينيين معادلة الطعام مقابل الأمن والسلام، الأمر الذي ينسف كل إمكانية لأي مراهنات على تعديل تلك المخططات أو إقناع اليمين الإسرائيلي بالتراجع عنها أو عن بعض أجزائها.

 

ثالثا: تشتغل إسرائيل استنادا إلى الصفقة، على كسب المعركة الديمغرافية أو إبعاد خطرها، فهي قد بدأت بإزاحة مليوني فلسطيني في غزة، وتحاول أن تكرر تجربة الحصار لغزة على الضفة الغربية، حين تنفصل القدس عن بقية المدن، ثم يتم فصل كل مدينة عن أخرى ضمن سياسة المعازل والبانتستونات التي تفرضها الخارطة، التي يجري إعدادها من قبل فريق أميركي إسرائيلي.

 

ووفق الخطة التي تستدعي سحب أسلحة الفصائل في غزة، فإن هذه تنتظرها تهديدات خطيرة، حيث تدخل في حساب المزايدات الانتخابية، فإن كانت تهديدات نتنياهو مجرد كلام فارغ، فإن غانتس يهدد بإعادة غزة إلى العصر الحجري، بمجرد أن ينجح في تشكيل الحكومة.

 

خامسا: تحصل إسرائيل على حصانة القوة الداعمة، والضعف الشديد للقوى الرافضة للخطة، إذ تعتقد أن مخططاتها قد حازت على شرعية دولية بمجرد إطلاقها من قبل الولايات المتحدة. هذا الأمر يقود إلى أن إسرائيل يمكن أن تفلت من العقاب، وان تواصل ارتكابَ ما تشاء من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، دون أن تنتظر رادعا أو عقابا، حيث إنها تحصل على مكافأة من القوة العظمى، بدلا من أن تواجه العقاب، ومقابل ذلك يكون النضال الفلسطيني بالصاروخ أو الحجر وما بينهما إرهابا.

 

على الجانب الفلسطيني، فإن المشهد محزن إلى حد كبير، فالانقسام موجود في كل التجمعات التي يتواجد فيها فلسطينيون بما في ذلك في أراضي العام 1948.

 

كل شيء مجزّأ، فالمنظمة لا تزال على حالها، تتعرض للمنافسة طالما أن "حماس" و"الجهاد" خارجها، وهي ضعيفة، طالما أنها لا تعطي الاهتمام اللازم لكل التجمعات الفلسطينية، خصوصا في الشتات والمهاجر.

 

والخلاف قائم حول السلطة، ووظيفتها، وأدائها، وصلاحياتها رغم الموقف الموحد الرافض لصفقة القرن، والمناكفات الفلسطينية لا تزال قائمة على أشدّها. الصفقة لم توحد الشعب الفلسطيني فقط، وإنما واقعيا، مسحت الفوارق البرنامجية، بين الفصائل والقوى السياسية، بما في ذلك الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، إذ يقف الجميع على أرضية صراع جذري مع إسرائيل على كل الأرض وكل الحقوق، وفي انتظار الوقت، كي يجد الفلسطينيون انفسهم جميعا يجلسون على طاولة واحدة وملزمين ببناء

استراتيجية وطنية ومشروع وطني واحد.

(الأيام)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"