# السبت، 15 فبراير 2020 03:02 ص بتوقيت غرينتش
الخرطوم.. ملهاة سياسية جديدة

جدل كثيف ومحتدم في السودان أثاره طلب رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك بشكل فردي وغير مؤسسي ودون توافق سياسي، إلى الأمم المتحدة "أن تسعى إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس في أقرب وقت ممكن، في شكل بعثة سياسية خاصة تضم عنصرا قويا لبناء السلام، وينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان".
فهل قرر حمدوك قلب الطاولة على شركائه العسكريين باعتبار ذلك سبيلا لمنع انفراد المؤسسة العسكرية بالسلطة، وفي الوقت ذاته إيجاد حلفاء له، ومساندين في المنظمات الدولية التي عمل فيها وتشرّب بمفاهيمها، تحسبا لأيام قادمة يراها كقطع الليل المظلم؟
إن ما قام به حمدوك، لا يقل كارثية عن لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الجنرال عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالعاصمة الأوغندية كمبالا الأسبوع قبل الماضي.
كلا الأمرين لا يتسقان مع طبيعة ومهام وصلاحيات الفترة الانتقالية، فضلا عن أنه تم طبخهما خارج مؤسسات الفترة الانتقالية. وكلا الرجلين أخفى وزره عن الآخر، مما يؤكد سوء نية كليهما تجاه الآخر. فكأنما أراد حمدوك أن يتغدى بالبرهان قبل أن يتعشى البرهان به، فقرر القيام بانقلاب تقوده الأمم المتحدة وتنفذه سفارات المحاور الإقليمية والدولية، التي عبثت بالثورة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير نيسان/إبريل الماضي.
وبعيدا عن الدخول في تفاصيل العلاقة المضطربة بين شركاء الفترة الانتقالية من -عسكريين ومدنيين-؛ فإن طلب حمدوك الذي مثّل سابقة غير معهودة في تاريخ العلاقات الدولية، يضع بكل بساطة السودان في خانة الدولة القاصرة والعاجزة عن إدارة شؤونها. بل إن حمدوك نفسه يكون قد أقر بعجزه في القيام بمسؤوليته، وعليه قرر دعوة الأمم المتحدة لتنسيق جهود السفارات الأجنبية بالسودان، وترتيب إدارة الشأن السياسي بالبلاد المنكوبة في نخبها السياسية.
إن الطلب الشاذ الذي تقدم به حمدوك يضع السودان تحت الوصاية الدولية الكاملة، وينزع سيادة الدولة على التراب الوطني. فضلا عن أن نشر قوات دولية وبصورة عاجلة يحيل الجيش الوطني إلى التقاعد.
ولذلك، ينتاب أصحاب النوايا الطيبة شك في أن حمدوك يعي وعيا حقيقيا بطبيعة الطلب الذي تقدم به، وإلا لما تعامل مع هذا الطلب وكأنه أمر إداري بسيط.
المعضلة أن طلب حمدوك المحير إن صدر قرار أممي مستجيبا له، يصبح من الصعب التراجع عنه أو إلغاؤه بعد إقراره، وتدخل البلاد في دوامة أخرى مثل دوامة وضع السودان في لائحة الإرهاب والعقوبات الاقتصادية، فالأمم المتحدة تتعاطى مع السودان كدولة وليس مع شخوص، فحمدوك لا محالة لاحق بقدامى السياسيين الفاشلين الذين سبقوه، بيد أن أخطاءه الكارثية ستبقى معلقة في رقبة هذا الشعب المكلوم.
منذ استقلال السودان عن بريطانيا في 1956 غاب المشروع الوطني السوداني المحكم الذي يعتبر الخروج عليه خيانة وطنية، فأصبحنا نرى - على سبيل المثال - سياسيا يرفع عقيرته وهو يشير إلى مصنع أدوية، زاعما أنه مصنع للأسلحة الكيميائية فتنهال عليه الصواريخ الأمريكية بأمر الرئيس الأسبق بل كلينتون فتدكه دكا.
ليعلم رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء الانتقالي أن من يتظاهرون اليوم في الخرطوم ومدن السودان العديدة، ليس لأجل الخبز والوقود وتضخم الأسعار فحسب، وإنما أيضا لشيء أعظم من ذلك، هو فقدانهم الأمل في نخبهم السياسية التي أضحت تتوارث الفشل جيلا عن جيل.
إن ما يثير القلق بالفعل ليس الصراع المحتدم اليوم بين شركاء الفترة الانتقالية، وإنما ما يحاك دوليا تربصا بالسودان واستهدافا لمقومات الدولة القوية التي يزخر بها.
ولذا، هناك زعم تسنده الوقائع والتحليل العميق بأن ما قام به كل من البرهان وحمدوك (لقاء نتنياهو ودعوة الأمم المتحدة)، أمران زُينا لهما للقيام بهما بقصد إحراقهما وتجهيز المسرح لأوضاع وترتيبات وشخوص جديدة، قادرة على خدمة القوى الدولية التي تدير مسرح عرائس السودان بشكل فاعل.
إن ما يبدو اليوم ظاهرا، أن جزءا مقدرا من تحالف قوى الحرية والتغيير تحركه دوائر غربية يتأبط المواثيق الدولية مرجعية قانونية وسياسية، ويتسنم ممثلوه مواقع مفصلية في حكومة حمدوك، وهم مجموعة من مزدوجي الجنسية القادمين من أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، ممن كانوا جزءا من المنظمات الدولية التي وعدتهم بدفع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، للتدخل لصالحهم ضد العسكريين، وعليه فقد جاء طلب حمدوك في هذا السياق.
ولعل ما أحبط حمدوك وفريقه أن رد الأمم المتحدة على طلبه جاء دون طموحهم، ربما بسبب حجم الرفض الذي تصاعد بمجرد ذيوع أمر طلب الوصاية الأممية. فقد أعلن في الخرطوم الأربعاء الماضي عقب لقاء لوزير الدولة بوزارة الخارجية السودانية بوكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، عن الاتفاق على وجود للأمم المتحدة في السودان عبر بعثة "سياسية" خاصة، تنتهي بانتهاء الفترة الانتقالية ودون مزيد من التفاصيل عن البعثة والمهام وآليات عملها، وليس كما كان يأمل حمدوك لفترة أطول بكثير.

 (الشرق القطرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"