رغم إيماننا الذي لا يتزحزح بأن الصراع مع الاحتلال هو صراع عربي وإسلامي وإنساني وليس فلسطينيا بالأساس، إلا أن اللحظة الراهنة بعد إعلان ترامب المتغطرس لصفقة القرن تفرض تعاطيا جديدا على الفلسطينيين، وهو "قلع شوكهم بأيديهم".

ليست هذه دعوة للعصبيات الوطنية، أو لنداءات الشوفينية، أو استرجاعا للخطاب الشهير "يا وحدنا"، ولكنها قراءة واقعية للوضع العربي والإقليمي، في محاولة للخروج بالموقف الصحيح فلسطينيا لمواجهة مؤامرة/ صفقة القرن.

فكيف يمكن للفلسطينيين أن يراهنوا على موقف عربي مساند، وقد انتقل الموقف العربي الرسمي من الدعم الخطابي للقضية الفلسطينية إلى مرحلة التواطؤ الممنهج والواضح مع دولة الاحتلال والولايات المتحدة ضد الفلسطينيين؟ وأي عبث أن يبني الفلسطيني موقفه للمواجهة على توقع دعم عربي رسمي، وقد وافقت مصر والسعودية والإمارات والبحرين حتى الآن على الصفقة، وإن كانت أحيانا بعبارات فضفاضة، ولا نعلم كم دولة عربية ستضاف لهذه القائمة مع نشر المقال؟

نستدرك هنا ونؤكد أن ثمة تأييدا شعبيا عربيا كبيرا للقضية الفلسطينية، وهو تأييد جذري لم يتأثر كثيرا بالخطاب التطبيعي المتصهين الذي يسود المنطقة مذ سنوات، إذ إن هذا الخطاب لم يتمكن من تغيير الوعي الشعبي تجاه فلسطين إلا باستثناءات نادرة، ولكن هذا الدعم الشعبي لن يستطيع تقديم الكثير في ظل نظم حكم استبدادية، ترى في الارتماء بالحضن "الإسرائيلي" أسهل الطرق للوصول إلى قلب ترامب والحصول على دعمه.

ولكن ماذا يمكن أن يفعل الفلسطينيون في ظل اختلال موازين القوى الرهيب، وضعف الموقف العربي وتواطئه أحيانا؟

إن الحل الوحيد المتاح أما الشعب الفلسطيني هو "قلب الطاولة" تماما على الصفقة، والتراجع عن مسار أوسلو الكارثي، والعمل التدريجي على حل السلطة التي باتت عبئا على النضال الفلسطيني وكنزا استراتيجيا للاحتلال. ولكن هذا الخيار لا يمكن أن يحدث إلا إذا توافقت حركتا فتح وحماس على إنهاء مهزلة السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء، والعودة بالصراع لمعادلته الأصلية: شعب تحت الاحتلال يقاوم المحتل، وهي المعادلة التي اختلت منذ توقيع أوسلو، وحرفت الصراع ليصبح خلافا شكليا بين "كيانين جارين"!

ولا يمكن لهذا الخيار أن ينجح بدون أن يوضع ضمن خطوات شاملة، متدرجة:

•اعتراف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بفشل خيار أوسلو وإقرار التخلي عنه، واعتراف حركة حماس بفشل "وهم" الجمع بين سلطة تحت الاحتلال وبين المقاومة الشاملة وإقرار التخلي عنه.

•الاتفاق على مشروع وطني فلسطيني يشمل منظمة التحرير وحماس والجهاد والتيارات الأخرى غير المنضوية في المنظمة، يتبنى خيار المقاومة الشعبية الشاملة المدنية، وهو خيار لا يعني شكلا واحدا من المقاومة، بل يشمل كل أنواع المقاومة المدنية من تظاهرات، وعصيان مدني، ومقاطعة اقتصادية، واعتصامات، واشتباك سلمي مع جنود الاحتلال، وتحركات دبلوماسية وإعلامية، وغيرها من مظاهر المقاومة المدنية التي يمكن للمنظمة والفصائل أن تتفق عليها بالاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى.
•وضع خطة شاملة للحل التدريجي للسلطة في الضفة الغربية والقطاع، بما يحمّل الاحتلال مسؤولياته أمام العالم، دون حدوث فراغ مفاجئ في حياة الناس. إن أخشى ما يخشاه الاحتلال هو هذا الخيار، لأنه سيضعه أمام مسؤولياته الأمنية والإدارية التي تخلى عنها وتحملت السلطة أعباءها منذ توقيع أوسلو، ولأنه سيهدد بحدوث فوضى، قد يدفع الفلسطينيون ثمنها بلا شك، ولكن الاحتلال سيدفع ثمنا أكبر وأشد خطورة منهم.

إن خيار "قلب الطاولة" على الواقع سيواجه بعقبات كثيرة، وبمعارضة كبيرة حتى من داخل الفصائل الفلسطينية التي تكونت داخلها طبقات مستفيدة من أوسلو ومخرجاتها، ولكن النضال ضد الاحتلال يتطلب أحيانا خيارات "صفرية". وعندما يتحول الجنون إلى سياسة رسمية للاحتلال وداعميه، فلا مفر أمام الشعوب المحتلة إلا إلى "جنون" يقابله.

ليس أمامك أيها الفلسطيني إلا أن تقاوم صفقة القرن وحدك في زمن الصهينة العربي، وليس أمامك سوى قلب الطاولة التي وضعها أعداؤك و "أشقاؤك" لتصفية قضيتك دون أن يسمحوا لك حتى بوضع كرسيك بينهم، وليس أمامك في ظل حصار العدو والشقيق إلا أن "تحاصر حصارك بالجنون.. وبالجنون"!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"