تجاوز المنتفضون العراقيون، يوم السبت الماضي، حاجزا آخر تم نصبه أمامهم؛ لإضعاف عزيمتهم، وإجبارهم على التخلي عن وطنهم.

نصب الحاجز الجديد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، عن طريق الدعوة إلى مظاهرة « مليونية»، في توقيت يثير الكثير من الأسئلة، مهما كانت نية المشاركين صادقة؛ إذ عوّد مقتدى الصدر العراقيين على مظاهراته « المليونية»، كلما تأزم حال ساسة «العملية السياسية»، وأوشك المحتجون على إنجاز تغيير حقيقي يمس صلبها، وليس مجرد تزويقات تمويهية.

 

كان شعار المظاهرة الصدرية، هذه المرة، إخراج القوات الأمريكية، وهو مطلب يدعو إليه المنتفضون في ساحات التحرير، في مختلف المحافظات، مع اختلاف، هو أن منتفضي تشرين/ أكتوبر 2019 مصممون على استمرار المطالبة بحقوقهم، وتجاوز المطالب الفردية إلى الوطنية، ومن ثم الارتقاء بالوعي الجماعي إلى مستوى التحرر الوطني من المحتل الأمريكي بالإضافة إلى الإيراني، على اختلاف حجم وطبيعة تواجدهما وضررهما، الذي وصل إلى حد ارتكاب الجرائم الموثقة، دفاعا عن مصالحهما على الأرض العراقية.

أثارت الدعوة إلى مظاهرة جانبية، ضد محتل واحد وإبقاء الثاني، المخاوف حول تجزئة معنى السيادة والموقف من الاحتلال وانتهاكاته، أيا كانت قوميته، سواء كان أمريكيا أو إيرانيا، فضلا عن استخدام المظاهرة كأسلوب لتبرير شن حملة قمع جديدة ضد المنتفضين، خاصة مع انسحاب عدد من المنتفضين من اتباع التيار الصدري من ساحات التحرير.

وهذا ما حدث، إذ اعتبر النظام المظاهرة الصدرية والانسحاب الضوء الأخضر للهجوم على بقية المنتفضين، مستخدمين الرصاص الحي، وحرق الخيام، والاعتداء الشرس، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات في بغداد و الناصرية جنوب البلاد.


لم تنه هجمة قوات الأمن والشرطة والمليشيات الانتفاضة، كما ظن النظام، بل استمرت الاحتجاجات. وانعكست الصورة حين احتضنت الساحات أعدادا جديدة من المحتجين في بغداد وكربلاء والنجف والبصرة والديوانية، وهم يحملون العراق في قلوبهم، سلاحا يتحدون به المحاولات الفاشية لفض الاعتصامات.


منذ غزو الشيطان الأكبر وتمهيده الأرضية لترعرع الشيطان الأصغر، وفق صفقات متوالية، استخدم النظام الهجين، في المنطقة الخضراء، ببغداد، عشرات الوسائل لاستنزاف وقتل روح المقاومة السلمية في روح الناس، في جميع المحافظات. آخرها ضد منتفضي تشرين، حيث استخدموا الرصاص الحي، وأطلقوا الغاز المسيل للدموع والقنابل الدخانية العسكرية. اختطفوا المتظاهرين وعذبوهم، خاصة الأطفال والفتيات.


أعدموا الصبيان ورموا عددا من المحتجين من على الجسور. اعتقلوا الأحداث، وعرضوهم بعد الاعتداء عليهم على شاشات التلفاز. سحلوا وعذبوا وقتلوا. بعلم الحكومة والبرلمانيين ورؤساء الأحزاب. كل هذا موثق بالأسماء والأماكن من قبل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية ومفوضية حقوق الإنسان. ما هي الحدود التي سيتوقف عندها النظام في جرائمه ضد المنتفضين، التي تؤكد بازديادها وتنوعها غياب الوازع الأخلاقي والديني ناهيك عن الفهم السياسي؟


لم تنه هجمة قوات الأمن والشرطة والميليشيات الانتفاضة، كما ظن النظام، بل استمرت الاحتجاجات. وانعكست الصورة حين احتضنت الساحات أعدادا جديدة من المحتجين في بغداد وكربلاء والنجف والبصرة والديوانية.


تشير الدلائل إلى أن طبيعة النظام الفاسد وإدراكه لفشله في إعادة تسويق الطائفية و التخويف من الآخر، سيدفعه، إلى المزيد من الشراسة والقمع.


فمنذ أيام، لم تعد القوات الأمنية تكتفي بإلقاء القبض على المنتفضين بل وصارت، كما تبين فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، تقوم بضربهم وتعريتهم أمام الناس. وهي ممارسة يتباهى بها الكيان الصهيوني ضد الشباب الفلسطينيين، كما أنها ذات الممارسة التي استهل بها جيش الاحتلال الأمريكي وجوده بالعراق، حيث قام جنوده، في 26 نيسان/ أبريل 2003، بإلقاء القبض على أربعة شباب، وتعريتهم والكتابة على صدورهم «علي بابا». «إنها طريقة مروعة لمعاملة المعتقلين. مثل هذه المعاملة المهينة تشكل انتهاكا واضحا لمسؤوليات قوى الاحتلال».


ذكرت منظمة العفو الدولية، ولم تتوقف قوات الاحتلال عن تعذيب المعتقلين بعد فضيحة أبو غريب إلا بعد أن تأكدت من إتقان الجلادين المحليين لأساليبهم. فصارت تسلم المعتقلين إلى الجلاد المحلي ليعذب بالنيابة، حين سيطرت الميليشيات الطائفية على السجون وجعلت أقبية الوزارات سجونا، كما في «قبو الجادرية» التابع لوزارة الداخلية، ببغداد، الذي عثر فيه على 168 معتقلا تعرضوا لتجويع وتعذيب، بشكل لا يمكن تصوره، بأمرة وزير الداخلية حينئذ باقر جبر صولاغ (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى)، ومسؤولية رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري (حزب الدعوة).

 

وهي ليست حالة فريدة من نوعها؛ إذ إنه من الطبيعي أن يؤدي تقاعس الحكومة عن التحقيق في التعذيب والوفيات، في الاحتجاز، وعدم محاسبة المسؤولين، إلى منح قوات الأمن الحق بممارسة التعذيب دون أي عواقب.


وهذا هو بالضبط ما يستمر النظام في تبنيه ورعايته ضد المحتجين السلميين.


إنها لطخة عار أخرى تسم المنخرطين في «العملية السياسية»، لتكمل وجودهم المؤسس على الطائفية والفساد. لطخة المتفرج الصامت، على واحدة من أبشع الجرائم التي يتعرض لها المعتقل، تحت أمرة جلادين يحاولون كسر إرادته من خلال انتهاك جسده وامتهان كرامته. وإذا كان النظام قد واصل استخدام سلاح التعذيب بذريعة محاربة الإرهاب، فما هي حجتهم الآن بعد تحقيق النصر؟
وإذا كان قادته وساسته، يعتاشون على مظلومية تعذيبهم من قبل النظام السابق، فما هي حجتهم وهم يحكمون البلد منذ حوالي 17 عاما؟


ما هي حجتهم وقد شاركوا إما بشكل مباشر (عبر ميليشيات أحزابهم) أو غير مباشر (عبر التحالفات السياسية والصمت) في تنمية التعذيب الوحشي، بأنواعه، والتفنن بممارسته، ضد كل من يشك به أو يحاول رفع صوته معترضا؟


لقد تجاوز عدد المحتجين المعتقلين الآلاف، وبإمكاننا استنادا إلى كيفية اقتيادهم، تصور نوعية التعذيب الذي سيتعرضون له. مما يجعل إضافة شعار إطلاق سراحهم مكملا للقضاء على الفساد والطائفية، فواجب الحكومات حماية المواطنين، وليس قتلهم أو تشويههم.

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"