منذ تصفية قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، والنظام في إيران يدور حول نفسه متخبطا في البحث عن مخارج بينما الدائرة تضيق حوله. فالضربة كانت موجعة، ويبدو واضحا أنها درست بعناية، ولم تكن قرارا ارتجاليا من نوع قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المزاجية التي توضع في لحظة انفعال أمام شاشة التلفزيون، وتصدر في تغريدات غير مدروسة عبر حسابه في «تويتر».

 

ذلك أن العملية أزاحت من المشهد ثاني أقوى رجل في النظام بعد المرشد علي خامنئي، والمتحكم في أهم ملفات عملياتها الخارجية وحروبها الأفقية. وفي هذا التوقيت بالذات حيث بدأت قبضة المرشد تضعف على النظام بفعل عوامل السن والمرض، كان تأثير الضربة أقوى، ليس فقط على الوضع الراهن في إيران، بل على الكثير من حساباتها وخططها المستقبلية.

قياسا على قوة الضربة وضعف الرد، ظهر ضعف النظام في طهران وهشاشته، وهو أمر ربما كان من بين حسابات المخططين للعملية الذين وضعوه في ورطة، بل ورطات. فأي رد كبير وعنيف يوقع قتلى أمريكيين، كان سيقود حتما إلى مواجهة غير متكافئة بكل المعايير، الخاسر فيها بلا جدال النظام الإيراني لأن ترامب سيجد المبرر لتوجيه ضربات قاصمة لقدرات طهران العسكرية بما في ذلك على الأرجح برامجها النووية.

الأمور زادت تعقيدا أيضا بعد إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة الركاب الأوكرانية، وهو ما ظهر في الارتباك في التعامل مع الكارثة. فبدلا من الاعتراف بالخطأ، حاول النظام على مدى أربعة أيام إنكار مسؤوليته وزعم أنها حادث نتيجة خلل فني مقدما تفسيرات متناقضة وضعيفة ما كان لها أن تصمد في كل الأحوال. بل إنه حاول لوقت وجيز تكذيب التقارير الغربية التي أكدت أن الطائرة أسقطت بصواريخ إيرانية، قبل أن يعود ويعترف «بالخطأ الكارثي».

النتيجة أن إسقاط الطائرة فاقم الضغوط على النظام ووضعه في مأزق أمام عدد من الدول المعنية، وأمام مواطنيه لأن أغلبية الركاب كانوا إيرانيين ومن حملة الجنسية المزدوجة. فقد اندلعت مظاهرات عارمة في إيران صوبت غضبها على النظام، ورددت «الموت للكذابين» بدلا من هتافات «الموت لأمريكا» التي كان يرددها أنصاره.

المؤكد أن طهران أجرت حساباتها، بناء على المعطيات الداخلية والخارجية، واختارت عدم التصعيد على تصفية سليماني لأنه لن يكون في صالحها بالمحصلة النهائية، لا بالحسابات العسكرية ولا السياسية. فالرئيس ترامب قد يذهب في المواجهة إلى أبعد مدى مدركا أن ميزان القوة لصالحه بفارق هائل، بل إنه قد يكسب سياسيا من رد صاعق إذا تسببت طهران في وقوع ضحايا أمريكيين عسكريين أو مدنيين.

في حساباتها قد تكون إيران وضعت في اعتبارها أيضا أن ترامب يواجه محاكمته أمام الكونغرس، وهو إن كان سيربحها على الأرجح لسيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ، إلا أنه يبقى متخوفا من أن تهز صورته وتؤذيه في سنة انتخابات الرئاسة.

 

والتاريخ يشهد بأن بعض الرؤساء الأمريكيين هربوا من مشاكل داخلية بتنفيذ عمليات عسكرية في الخارج، مثل بيل كلينتون إبان محاكمته في الكونغرس على فضيحة مونيكا لوينسكي. آخر ما تريده طهران أن تعطي فرصة لترامب لكي يرد عليها بعمليات عسكرية أكبر، وأن تدخل في مواجهة ستخسرها وسيربح منها ترامب شعبيا وانتخابيا، ما يعني أربع سنوات إضافية من العقوبات والضغوط في وقت يتزايد فيه الغضب وتتصاعد الاحتجاجات الشعبية في الداخل التي تشكل الخطر الأكبر على النظام.

إيران لجمت حلفاءها وردت بشكل مباشر لكي تضمن أنه يأتي محدودا بحساباتها، وليس منفلتا على أيدي الميليشيات الشيعية الحليفة. هكذا جاء الرد «رمزيا» بصواريخ وجهت للقاعدتين الأمريكيتين في العراق، و«محسوبا» بحيث لا يؤدي إلى سقوط ضحايا أمريكيين. وللتغطية على محدودية ردها، فإنها لجأت إلى التصعيد الخطابي الموجه أساسا للداخل، فظهر المرشد علي خامنئي ليؤم صلاة الجمعة في طهران لأول مرة منذ ثماني سنوات مهاجما في خطبته ترامب وواصفا الرد الإيراني بأنه «أهان» أمريكا. كما توالت التصريحات «الساخنة» من مسؤولين في مستويات مختلفة للتنديد بأمريكا، وتضخيم الرد الصاروخي الإيراني وتصويره على أنه كان «صفعة قوية».

لكن الحقيقة كانت فيما جاء على لسان وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي قال إن إيران ردت «بإجراءات متكافئة» وليس هناك عمليات أخرى، لكنها لن تسكت إذا تعرضت لهجوم جديد. وحرصت طهران أيضا على نقل تصريحات مسؤولين عسكريين شددوا على أن إطلاق الصواريخ كان «أخف الردود» في قائمة سيناريوهات الرد التي أعدتها للثأر لقائدها العسكري المقتول. هذا الكلام «المموه» ربما ترك لتفسير المتلقين بحيث يفهم على أن طهران اختارت ردا خفيفا محدودا لتفادي المواجهة، كما يمكن أن يفهم على أنها بدأت بالأخف وستتبعه بخيارات أخرى متى سنحت الفرصة. تقديري أن إيران ردت بما تقدر عليه في ظل معطيات الأوضاع وبعدما أجرته من حسابات، وأن أي رد آخر كان مستبعدا، لأن التكلفة ستكون باهظة، وربما تؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام.

ما هي خيارات طهران الآن؟

أمام طهران ثلاثة خيارات. الأول أن تنتظر لترى ماذا سيحدث في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، لتقرر وقتها كيف ستكون سياساتها وعلاقاتها مع واشنطن، وقياسا على ردود الفعل حتى الآن، يبدو أن هذا هو الخيار المحبذ لطهران. فهي تأمل في أن يسقط ترامب في انتخابات الرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وأن يعيد البديل الديمقراطي الفائز، أيا كان، الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب لتطبيق سياسة «الضغط الأقصى» عبر تشديد العقوبات على طهران والحصار لإضعاف النظام بزيادة الضغوط الداخلية والاحتجاجات الشعبية علها تهيئ الظروف لسقوطه.


الخيار الثاني، أن تواصل طهران سياسات التصعيد والمشاكسة عبر حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مع تفادي مواجهة مباشرة مع واشنطن. هذا الطريق سيعني استمرار مشاكل إيران، وبقاء العقوبات المفروضة مع احتمال تشديدها، وزيادة معاناة الإيرانيين الذين صاروا يجاهرون بغضبهم من تبديد مواردهم وأموالهم في مغامرات خارجية.

أما الخيار الثالث، فهو أن تعيد طهران النظر في سياساتها وتتراجع عن نهج «اليد الطويلة» وتكف تدخلاتها وإثارتها للمشاكل في الدول الأخرى. هذا يتطلب أن تدرك إيران أن علاج مشاكلها يبدأ بالتصالح مع دول المنطقة. ففي نهاية المطاف هذا الخيار يمكن أن يفتح الطريق أمام محادثات مباشرة بين طهران والغرب ودول المنطقة تشمل الملف النووي، وتهديد الصواريخ، وسياساتها الإقليمية بما يؤدي لـ«الصفقة الكبرى» التي يأملها الكثيرون لتهدئة الأوضاع المتأججة في الشرق الأوسط وإنهاء الجبهات المفتوحة.

وعلى الرغم من الكثير من الصعوبات والعوائق المحتملة التي قد تواجهه، فإن هذا الخيار الثالث سيكون الأفضل لإيران نفسها، ولدول المنطقة والعالم.

(الشرق الأوسط اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"