تبدو تواريخ: 1917، 1948، 1967، اليوم، لا تقل مأساوية عن تواريخ مثل: 1979، 1993، 1994، فما تمخضت عنه معارك وهْم القوة، في الأولى، لا يختلف كثيرا عما تمخضت عنه معارك وهْم السلام في الثانية، بدءا من اتفاقية كامب ديفيد، مرورا باتفاقية أوسلو، واتفاقية وادي عربة.


دفع كثير من البشر، الذين عارضوا هذه الاتفاقيات، أثمانا كبيرة، فلسطينيا، وعربيا، حيث قسَّمت الأنظمةُ شعوبَها إلى محورين، كما قسّم، ذات يوم، جورج بوش الابن، العالم إلى محورين: محور الخير ومحور الشر. وهذا ما فعلتْه الأنظمة، فقد حشرتْ كل من عارض (سلام الشجعان) ثلاثي الأضلاع: مصر، فلسطين، الأردن، في محور الشر.


لوحِقَ كل من عارض، وسجن، ونفي، وأطلقت النارُ عليه أحيانا، وهُشِّمتْ أطرافه، أو هُمِّش أحيانا، وطورد في وظيفته وجامعته، وتم تحويله إلى عدو للوطن، طابور خامس، لا ينشد سوى زعزعة أركان وطنه، وتقويض مستقبل الأجيال. وكسب العالم العربي، من ذلك كله، نظاما جديدا هو النظام الفلسطيني، الذي تمَّ زرْعه في المكان الذي تم اقتلاع شجرة الانتفاضة الأولى منه، ليغدو عكسها تماما.


بين حين وحين يُطلُّ علينا واحد من مهندسي هذه الاتفاقيات، ناقدا مسارها، ومحذِرا منه، ومن نتائجها، التي كانت حين تم توقيعها، كما روّجوا، تسعى إلى تحقيق المصالح العليا لهذه الدول! الدول التي «بات أمنها الوطنيّ مهددا الآن بكل ما تعنيه الكلمة من معنى».

 

كما أشار أحد كبار مهندسي وادي عربة في مقال له هذا الأسبوع. وكان قد سبقه في ذلك بزمن طويل مهندسون آخرون تحوّلوا إلى ناقدين بارزين لهذه الاتفاقيات، وبعضهم يقدِّم نفسه، الآن، كجزء من المعارضة السياسية في بلده، كما لو أن الشعوب هي التي تسللت تحت جنح الظلام، ووقَّعت هذه الاتفاقيات، بينما كان هؤلاء المهندسون يحلمون بوطن أجمل لهذه الشعوب!


هذا الأمر رأيناه في الأردن، وفي مصر أحيانا، وفي السلطة الفلسطينية، حتى أن المرء يحسّ في كثير من الحالات بأن مهندسي أوسلو يريدون، بجديد خطابهم المقلوب، أن يثبتوا أنهم الشهود والشهداء والسجناء والمصابون، وأنهم قدّموا ما لم يقدّمه الشعب حين تجرأوا وخانوا أحلامنا، من أجل تحقيقها!
هذه الظاهرة الرسمية العربية التي تتعامل مع ذاكرة البشر كما لو أنها ذاكرة تُمحى في نهايات كل نهار، وتغدو صفحة بيضاء في الصباح التالي؛ في استطاعة الأنظمة أن تخط عليها ما تريد، مرعبة في الحقيقة. لكن لنعترف أيضا أن شعوبنا تنسى، أو تتناسى في حالات كثيرة، إذ يغدو، مثلا، مُرشحٌ ما كأنه طوق النجاة لسفينة الشعب كلما اسودّت الدنيا أكثر، مع أنه ساهم في وأد أحلام هذا الشعب وملاحقتها وسحقها لأزمنة طويلة، ويغدو أحد الرموز الأمنية التي أذاقت البشر الويل قائدا وطنيّا تلتفّ حوله أحزاب، ويهلل له أناس، بعضهم كانوا ضحاياه.


لكن، ولحسن الحظ، أن هناك أناسا لا ينسون، وإن كانت المصيبة قائمة في أناس يملكون قدرة غريبة على تكرار الأخطاء، والوقوع في براثن هؤلاء كلما غير هؤلاء أقنعتهم.


في واقع عربي كهذا يصعب وضع حجر أساس للكرامة الوطنية والكرامة الحضارية، إذ تبدو المعادلة دائما: حتى في وقائع حروب الدمار العربي التي اجتاحت كثيرا من الأوطان، إننا مخيرون بين السيء والأسوأ، وكأن السيء هو المحطة الأخيرة التي يتحتّم علينا أن نترجل فيها، هربا من الأسوأ. وهذا أمر غريب حقا، إذ إن جريمة أو مخالفة ما، أو تصرفا شائنا أو موقفا معاديا للإنسانية، يمكن أن يتم اكتشافه في حياة شخص ما، خارج عالمنا العربي، يكفي أحدها لتدمير مستقبل هذا الشخص إلى الأبد.
هل نحن، إلى هذا الحدّ، شعوب متسامحة مع طغاتها وجلاديها وناهبي ثرواتها؟


بالطبع، لسنا كذلك كلنا! بدليل هذه الثورات التي تندلع كلما حشرنا وخُيرنا بين السيء والأسوأ، ما سيوصلنا كلنا ذات يوم إلى رفع الشعار الأوضح والأجمل: كلّن يعني كلّن.


من وقّعوا اتفاقيات السلام القاتل كانوا يراهنون عليها كحلّ لكل مشاكلنا التي تسببوا هم في وقوعها، ولكنهم ارتكبوا بعد توقيعها جرائم ليست أقل من تلك التي ارتكبوها قبلها، وهم يُضلِّلون ويسرقون ويُفسِدون النسيج الوطني بطريقة أسوأ مما فعلوا قديما، بحيث يمكننا القول إن أحوال كل بلد وقَّع اتفاقية سلام، أصبحت أسوأ، وعلى كل المستويات، سواء تعلَّق ذلك بعلاقة المكونات الاجتماعية للوطن، أو الواقع السياسي والاقتصادي والتعليمي الذي لم يخلِّف سوى المزيد من التقهقر والتخلف على كل المستويات.


كان على هؤلاء الذين ينقلبون على اتفاقيات العار التي وقعوها أن يعتذروا لشعوبهم بفم ملآن، لا أن يواصلوا خداع هذه الشعوب وهم يحوّلون أنفسهم إلى أبطال للوعي وقادة له، فلو كان لهم رؤوس لما وقّعوا، وينطبق الأمر على كل أولئك، من قيادات الأمن، الذين اكتشفنا أنهم كانوا طوال الوقت يسرقون أموال الناس ويعذبونهم ويطلقون النار على مصائرهم، كان على هؤلاء أن يعتذروا أيضا.


واليوم، يفاجئنا عرب آخرون بموهبة القيام بارتكاب الجرائم ضد شعوبهم من منطلق جديد هو: «سلام من منطلق قوة، تطبيع من منطلق قوة»، وتحت عنوان عار جديد يسمونه «اتفاقية عدم قتال»، فكم علينا أن ننتظر لنراهم يعتذرون لشعوبهم، لأنهم فتحوا أبواب أوطانهم لأعتى وحوش الأرض عنصرية ودموية، هم الذين لا يملكون أي قوة فعلية، وهشاشتهم أقل من أيِّ تحدّ سيواجههم.


وبعد:
حكاية من كتاب «داغستان بلدي» للرائع الكبير رسول حمزاتوف:
يقول: عرف ثلاثة صيادين بوجود ذئب، فقرروا قتله. طاردوا الذئب فاندسّ في مغارة لينجو. لم يكن للمغارة إلا مدخل واحد، وكان هذا المدخل ضيقا جدا بحجم الرأس. صوّبوا بنادقهم إلى مدخل المغارة.. لم يخرج الذئب. قرر أحدهم أن يندسّ في المغارة. ظل الصيادان الآخران فترة يراقبان مستغربين: لماذا لا يتقدّم.. أو يتراجع! ملّا الانتظار، سحباه فإذا به دون رأس! فأخذا يتساءلان: هل كان له رأس قبل أن يندسّ في المغارة أم لا؟!


قال أحدهما: كان لديه رأس. وقال الثاني: لم يكن له على ما يبدو.


حملاه إلى القرية، وأخبرا أهلها بما جرى. وهما يسألان إن كان له رأس أم لا. زوجة الصياد قالت: من أين لي أن أعرف إن كان لزوجي رأس؟! كل ما أذكره أنه كان يشتري قبعة جديدة كل عام! أما أحد الشيوخ الذي كان يستمع إليهم صامتا، فقال: لو كان له رأس، أصلا، لما أدخله إلى المغارة!

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"