« قواعد اللعبة قد تغيرت « هو ما قاله وزير الدفاع الأمريكي مارك اسبر قبل ساعات من اغتيال الجنرال قاسم سليماني، هذه العبارة لم تكن عبثية من قبل وزير دفاع أقوى دولة في العالم وإنما هي بشكل أو بآخر توصيف فعلي لما ستكون عليه العلاقات الأمريكية الإيرانية بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، فطائرات النقل العسكري الأمريكية لاتزال تنقل بشكل يومي مئات الجنود الأمريكيين للشرق الأوسط وشرق أوروبا، بالرغم من أن الطرفين الأمريكي والإيراني قد أنهيا الأزمة بتغريدة أولى صاغها ظريفي بحرفية وتغريدة ثانية كتبها ترامب بهدوء وروية، أما الآن فالأجواء هادئة تماما …. لا يعكر صفوها سوى أزمة اقتصادية إيرانية تزداد مرارة وطائرة أوكرانية عمّقت من الجرح وفوق كل هذا فالشارع الإيراني عاد ليمتلئ من جديد بمئات الآلاف من الإيرانيين الغاضبين فالنظام الإيراني اليوم يعيش أسوأ أيامه منذ نشأته عام 1979 .

إن ما جرى في الأسابيع الماضية وما سيجري لاحقا من تغيرات وتحركات بين طهران وواشنطن هي نتاج تقديرات إيرانية خاطئة وانعطاف أمريكي قاس قلب الموازين وأفشل مخططا كان النظام الإيراني وبيد جنراله الأقوى قد رسمه بحرفية، ولتوضيح المشهد للقارئ الكريم يجب أن نعيد رسم المخطط الإيراني عبر البحث بين السطور في تحركات سليماني شخصيا ما قبل اغتياله وتحركات الميليشيات التابعة له في المنطقة عموما، والنتائج كانت على الترتيب التالي :

تحرك برلماني

يتم اختيار أكثر الميليشيات العراقية خبرة لتقوم بتنفيذ هجوم صاروخي دقيق على إحدى القواعد العسكرية الأمريكية مع التأكيد أن لا تكون الخسائر البشرية كبيرة (وهو ما جرى بهجوم ال ك1 في كركوك)، بناء على هذا فإن واشنطن ستضطر للرد على هذه الميليشيا عبر ضربة جوية محسوبة (وهو بالفعل ما جرى في مدينتي القائم والبوكمال)، ثم يتم الطلب من اللوبي الإيراني ضمن الساسة العراقيين ليتحركوا سلميا ضد واشنطن في بغداد من خلال الاعتصام أمام السفارة الأمريكية ثم الدفع نحو تحرك برلماني يؤدي لإصدار قرار بخروج القوات الأمريكية من العراق، هذا القرار لن يكون له وزن ما لم يصاحبه تحرك عسكري على الأرض والذي سيقوده سليماني بنفسه من خلال تنظيم ضربات دقيقة نحو القواعد الأمريكية تحت عنوان مقاومة الاحتلال الأمريكي لوضع واشنطن أمام ثلاثة خيارات :

الخيار الأول: أن تتقبل الواقع وتنسحب من العراق وهو ما سيفسح المجال أمام الحكومة العراقية لفتح أبوابها للصين التي ستدفع المليارات من الدولارات مقابل النفط العراقي لملء الخزائن الإيرانية الفارغة في طهران لتكون متنفسا لحين الانتخابات الأمريكية الرئاسية المقبلة.

الخيار الثاني: المواجهة المباشرة وتحويل الجغرافيا العراقية لمستنقع أفغاني جديد يستنزفها ويؤدي لتضرر سمعة ترامب في الانتخابات المقبلة.

الخيار الثالث: فتح قناة تفاوضية جانبية مع طهران يكون أولى نتائجها رفع العقوبات النفطية .

هذا المخطط سار في بدايته تبعا للخطة إلا أن ترامب فاجأ الجميع وأولهم سليماني الذي بنى تحركاته في المنطقة على أساسين: أولهما أن واشنطن في أمسّ الحاجة لخدماته في مواجهة الجماعات السنية في المنطقة، وما أكد هذه النقطة هي الحماية التي فرضتها واشنطن على رأسه بالرغم من وجوده على طاولة الاغتيال الإسرائيلية خلال الخمسة عشر عاما الماضية بتأكيد من رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق الجنرال عاموس يدلين قبل أيام، أما الأساس الثاني فهو مبني على تخوف واشنطن من تكلفة الرد الإيراني لاغتياله في ظل وجود رئيس أمريكي لم يلبث أن يثبت خلال الأعوام الأربعة الماضية أنه رجل لا يحب التصعيد العسكري حتى لو دفع دفعا نحوه، هذه الأساسات كان سببا ليصبح سليماني مترفا بالثقة بالنفس ليتنقل ضمن ثلاث عواصم عربية في يوم واحد دون خوف أو حرص، إلا أن قواعد اللعبة حقا تغيرت .

مسرح التحركات المقبلة

أما بعد فإن طهران دخلت مجبرة لنفق مظلم قد يدفعها لتعيد ترتيب أوراقها بشكل عام، فمخطط سليماني في العراق أصبح خطِرا في ظل تهديدات ترامب والتي أصبحت تؤخذ بعين الاعتبار، هذا التخوف دفع الحرس الثوري لإعطاء الأوامر الصريحة نحو قيادات الحشد الشعبي والميليشيات العراقية المدعومة من النظام الإيراني لتحضر لطهران ويتم تحذيرها من ارتكاب حماقة تعمّق الجرح الإيراني بضربة أمريكية لـ 52 موقعا وهو ما هدد به ترامب في إحدى تغريداته الأخيرة، هذا الهدوء أصبح أكثر منطقية ضمن النظام من بعد خسارة اللوبي العسكري المتشدد المحيط بخامنئي أحد أهم رموزه ليصبح اللوبي الدبلوماسي بقيادة طريفي صاحب النفوذ الأهم والأكثر ثقل في المرحلة الحالية، إلا أن التاريخ والمعادلة في الداخل الإيراني والمنطقة بشكل عام تؤكد أن التهدئة هي آنية وإمكانية العودة نحو الجنون العسكري ما هي إلا مسألة وقت لا أكثر والجغرافيا العراقية ستكون مسرح التحركات المقبلة .

صيف العام الماضي وضمن مقال نشرته هنا في صحيفة «القدس العربي» وتحت عنوان «خيارات السلم والحرب في الخليج العربي» أكدت من خلاله أن طهران وواشنطن تسيران على حافة الهاوية من خلال خطط خطيرة وتحركات قد تؤدي لانزلاق الطرفين نحو حرب مباشرة هذا المشهد أقرب اليوم من أي وقت مضى، فبالرغم من أن تجربة اغتيال عماد مغنية أكدت أن طهران دائما ما تختار مشروعها التوسعي في المنطقة على حساب الأشخاص مهما كانت أهميتهم إلا أن الأجواء بشكل عام حصرت النظام الإيراني في عنق الزجاجة نحـو مخرجين أحلاهما مر، الأول بتقبل الواقع والتوجـه نحو طاولة المفاوضـات صاغرة، والثـاني عـبر حرب لا تبقي ولا تذر، بين الجـرح العميق والحنكة السياسية سيـناريوهات عديدة قد تنـتظر المنطقة.

(القدس العربي اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"