"من أجل سما"؛ فيلم وثائقي، كوارث، ملحمي، رومانسي، سوري من إخراج وكتابة وعد الخطيب. يروي الفيلم قصة كارثة غرق الثورة السورية في أولى رحلاتها عبر بحر الدم، وهو من بطولة وعد الخطيب وزوجها حمزة الخطيب وطفلتهما سما والشعب السوري في حلب، سُميّ الفيلم باسمها، ومن إنتاجهما وإخراجهما، وهما شابان من طبقة اجتماعية متوسطة، طبيب وإعلامية، وقعا في الحب على متن الرحلة الأولى للثورة السورية سنة 2015. الموسيقا التصويرية أصوات تفجيرات براميل بشار الأسد وقذائفه، وقد رُشّح الفيلم لجائزة أوسكار للأفلام الوثائقية، مع أفلام سورية أخرى.

عذراً من القارئ، فقد تعمّدتُ الخلط، فالتعريف السابق الذي أخذ من الموسوعة العالمية ويكيبيديا، هو لفيلم التايتنك، بعد تعديل طفيف، لا يخلُّ بالحقيقة. فيلم التايتنك من بطولة ليوناردو دي كابريو وكيت وينسليت. وقد جازفتُ وقارنتُ فيلماً وثائقياً بفيلم روائي رومانسي ملحمي. ولا يخلو فيلم وعد الخطيب الوثائقي من العناصر المذكورة، فهو روائي أيضاً، وملحمي. وملاحم العصر هي اليوميات، ورومانسي أيضا، وهو فيلم كوارث. تقول الموسوعة إن تكلفة فيلم التايتنك هي أكبر تكلفة لفيلم عبر التاريخ، وبلغت 200 مليون دولار، أما تكلفة فيلم الخطيب، فلا يمكن تحديدها، وهي أكبر وأعظم وأجلّ وأفدح، فقد كانت كلفتها حلب، أقدم مدينة في العالم بآثارها وحضارتها وحيواتها وذكرياتها، مع أخواتها حمص ودرعا ودير الزور..

لم تكن وعد الخطيب بحاجة إلى تلك الأموال لإنتاج فيلم، كان كل ما عليها هو أن ترصد بكاميرتها الوقائع ويوميات الحرب والثورة، واستخلصت الفيلم من آلاف الصور بعد عصرها وتجفيفها وتقديدها. وقد ابتدع كاميرون، مخرج فيلم التايتنك، قصة حب متخيّلة على ظهر تلك السفينة العملاقة، التي أخذت اسمها من العمالقة التيتان، وهم الآلهة الأسطورية الإغريقية الجبابرة المناضلة، سنة 1995، وصدر سنة 1997. وحقّق الفيلم نجاحاً نقديّاً وتجاريّاً مُنقَطع النظير، ورُشّح لنيل أربع عشرة جائزة أوسكار، وحاز على إحدى عشر منها، من ضمنها جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج، وحقق إيرادات ضخمة تجاوزت ملياري دولار. أما قصة حب وعد وحمزة فهي قصة حب حقيقية، وهي قصة حب وقصة شعب.

أولى التشابهات بين الفيلمين أنَّ الأم وعد تروي قصة حلب لوليدتها الرضيعة سما ولنا، مثلما تروي روز الجدة قصتها لأحفادها ولنا.

أولى الفروق بين الفيلمين أنَّ قصة الحب في فيلم "من أجل سما" هي قصة حقيقية موثقة، حية، وتضحية الطبيب حمزة فيها أكبر من تضحية جاك دواسون المتخيلة في سبيل حبه، فالطبيب حمزة يضحي من أجل شعبه ووطنه وحبه وابنته.

ثاني الفروق أو التشابهات أنَّ الجبل الجليدي الذي اصطدمت به سفينة الثورة وأغرقت هو بشار الأسد، وما قيل عن السفينة هو أنَّها سفينة محكمة الصنع متينة أو كما جاء على لسان أم روز تتحدى القدر "حتى الله لا يقدر على إغراقها"، هو نفس ما قيل عن بشار الأسد، في شعارات مواليه وعلى ألسنة إعلامييه.

إنَّ القلادة الماسية أو الماسة الثمينة التي سُميتْ "قلب المحيط" والتي كانت للويس السادس عشر يوماً، هي سما وأمثالها، بعضهن غرقن في البحر وبعضهن عشن، بل إنَّ الماسة هي سورا، بل إنَّها الحكاية، فكل شيء يمضي وتبقى الحكاية التي لابد من ناجٍ يرويها. 

إنَّ كال هولكي، شرير الفيلم، خطيب الحسناء روز، في قصة الفيلم الطبقية، يفاوض جاك دواسون على حبه ويحسده ويغدر به ويحاول قتله، هو بوتين في الفيلم الوثائقي السوري، الذي خطب ودّ سوريا، وهي الآن في عصمته.

الفيلم حقيقي، صوره حية، لا يوجد نماذج مصغرة حاسوبية، أو خدع تصوير، كما في فيلم التايتنك.

أجمل لقطتين في الفيلم وجدهما كاتب السطور هما ابتسامة سما، والفرحة التي غمرت جارة المخرجة وعد الخطيب بثمرة المانجا. عفراء هي زوجة الطبيب سالم زميل حمزة الخطيب، وتحبُّ المانجا. شعرت أني كلما رأيت عفراء، وهي قليلة الظهور في الفيلم، أنها بطلة الفيلم وهي تشبه حلب أكثر من شبه المخرجة بها.

هناك لقطة في فيلم "من أجل سما" تذكّر من بعيد بمشهد شهير في أفلام المغامرات وأبطال الأفلام الأمريكية. البطل في فيلم المغامرات وأفلام الكاوبوي دائماً مشغول بالانتقام، برسالته، والبطلة تقبّله وهو غارق في غايته، لكن الفارق هو أن وعد هي زوجة الطبيب حمزة، وليست صديقة عابرة، وهي قبلات شوق زوجة لزوجها الذي لم تره منذ أربعة أيام، وقد أجرى حتى نزوحه الإجباري بعد المفاوضات ما يقارب ألف عملية جراحية.

يباهي جاك بطل فيلم التايتنك المتخيل في أثناء دعوته على العشاء على مائدة الأثرياء الذين يسخرون منه، بأسلوب حياته، فهو يكسب قوته من الرسم، هو يشبه كل أبطال أفلام المغامرات والكاوبوي.. أمس كان على الرصيف وينام تحت الجسور، واليوم يتعشى مع أثرياء، ولا يعلم غداً ماذا تكسب يده، وهذا ما جرى لسوريا التي كانت نائمة وانتفضت تلك النفضة التي غيّرت التاريخ وستغيره.

نهاية السفينة وخيمة، وكذلك نهاية البطل جاك في التايتنك، ومصير سوريا ما زال مجهولا، وقد دُمرتْ وشُرد أهل السفينة، أما نهاية البطلين في فيلمنا الوثائقي الموعود بأوسكار فهي سعيدة، وتلك جائزة يطرب لها العرب، فهي جوائز يصنعها الغرب غالباً لأهله، وقد يمنحها إذا أعجب شديد الإعجاب بفيلم، أو قد يمنحها بعد الخراب، وبعد أن يتحول الشعب السوري إلى أقلية.

انتحر خطيب روز، كال هولكي، في الفيلم بعد نجاته من الغرق، ووراثة ثروة طائلة مثل بشار الأسد، وبعد مضاربات مالية، وكانت روز تبغضه، وازدادت بغضا له، من خطبتها الصفقة، وتدربت على البصاق مع جاك ثم بصقت في وجهه، لأنه مستبد وفاسد وأناني وحقود. ومن المستعبد أن ينتحر بشار الأسد الذي جاهد في أنّ يستميل قلب الشعب السوري في قصة الثورة السورية.

إن إحدى أهم بطولات طبيب الفيلم حمزة، واسمه هو اسم أحد أوائل الشهداء في الثورة السورية، هي أنَّ زميله في المهنة، بشار الأسد، قتل كل الأطباء الذين طالتهم يده، ودمّر مشافيهم، كان يريد أن يكون الرئيس الوحيد، والطبيب الوحيد الذي يعمي عيون الناس بإعلامه الساحر.

لو كنت مكان المخرجة، ونلت الأوسكار لرميت الجائزة في البحر، التي غرق فيها شعب كامل وهو يعبر نحو الغرب، هربا من بشار هولكي، كما فعلت بطلة الفيلم روز في آخر مشهد رومانسي في الفيلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"