بينما يشاهد العالم المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والحكومة الإيرانية، فإن الحكومة والشعب في أمريكا يبدوان منقسمين بشدة: انتقد كل من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وكذلك زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ تشارلز شومر، ترامب لمغامرته بالدخول في حرب مع إيران. وعلى نفس المنوال، انتقد مرشحو الحزب الديمقراطي -الذين يأملون في منافسة ترامب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل- موقف الرئيس الأمريكي لعدم تشاوره مع الكونغرس قبل تنفيذ الغارة الجوية التي أدت إلى مقتل قاسم سليماني.

جميعهم، انتقد الرئيس باتخاذ قرار متسرع دون التفكير في تداعياته المستقبلية، حيث يسعى الحزب الديمقراطي لأن يمارس الكونغرس سلطاته على قرار الرئيس شن أي حرب رسمية ضد إيران. ويخطط الديمقراطيون في مجلس النواب الأسبوع الجاري لإجراء تعديل يحد من سلطة الرئيس على القيام بعمليات عسكرية ضد إيران.

لذلك، فإن الحزب الديمقراطي أمام تحد كبير: يدرك الحزب أنه ما من أمريكي واحد يدافع عن قاسم سليماني أو عن الحكومة الإيرانية، وأن الغالبية العظمى من الأمريكيين لا يعرفون شيئا عن إيران سوى أنها خصم الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يهدف الديمقراطيون إلى انتقاد الرئيس دون الدفاع عن إيران. ويريد الديمقراطيون، شأن الغالبية العظمى من الأمريكيين، ضمان سلامة الجنود الأمريكيين في ميدان المعركة. لذلك يتعين على الحزب الديمقراطي توخي الحذر حتى لا يعطي ترامب الفرصة لإلقاء اللوم عليه لتكبيل يديه، وعدم إنقاذ أرواح جنوده.

الحزب الجمهوري حتى الآن ليس لديه هذه المشكلة، إذ إنه وفق استطلاع للرأي نُشر في 8 يناير (كانون الثاني) الجاري في صحيفة «بوليتيكو» الإخبارية، فإن 85 في المائة من الناخبين الجمهوريين يؤيدون قرار الرئيس قتل قاسم سليماني. ويدافع قادة الحزب الجمهوري في واشنطن عن ترامب، ويؤكدون أن إيران قتلت 600 جندي أمريكي خلال حرب العراق، وأن سليماني كان سيقتل المزيد من الأمريكيين عاجلا أم آجلا. ويرفض معظم أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس فرض أي قيود على سلطات ترامب في الشؤون العسكرية.

على امتداد التاريخ الأمريكي، لطالما كان هناك تنافس على السلطة بين الرئاسة والكونغرس. لكنّ ثمة مسألتين تجعلان الجدل السياسي أكثر جدية في الوقت الحالي، وستؤثران على استجابة الحكومة الأمريكية للتحديات التي تواجهها في هذا الصدد:

أولا، لا يريد معظم الأمريكيين الدخول في حرب كبيرة أخرى في الشرق الأوسط. فبعد أن قال مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، إن قتل سليماني جعل الأمريكيين أكثر أمانا، أظهر استطلاع للرأي أعدته «بوليتيكو» أن 32 في المائة فقط من الأمريكيين يتفقون مع القرار، في حين يعتقد نصف الأمريكيين في الاستطلاع ذاته أن قتل سليماني جعل الأمريكيين أقل أمانا، في حين عبر 69 في المائة عن قلقهم من احتمال نشوب حرب مع إيران.

عادة ما يدعم توكر كارلسون، الإعلامي في شبكة «فوكس» الإخبارية، وهو شخصية تلفزيونية مشهورة، الرئيس ترامب في قضايا مثل الهجرة والاقتصاد. ومع ذلك، فقد ذكر أمام جمهوره التلفزيوني الكبير أنه يخشى أن تنزلق أمريكا ببطء إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. كذلك أعرب السيناتور الجمهوري راند بول عن أسفه لأن قتل سليماني كان عملا أنهى إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي للمواجهة مع إيران. وتشكل قاعدة ترامب السياسية أقلية في الولايات المتحدة، وفي حال فقد جزءا من قاعدته بسبب القتال المطول في الشرق الأوسط، فإن فرصه في انتخابات نوفمبر ستتراجع. لذلك، لن يكون هناك غزو بري كبير آخر مثلما حدث عام 2003، وهو ما يتسق مع تصريح ترامب الذي أدلى به في 8 يناير أنه لا يريد حربا مع إيران.

يفكر ترامب في حرب أخرى: الحرب في واشنطن. فقد وافق مجلس النواب الشهر الماضي على توجيه اتهامات لترامب تتعلق بإساءة استخدام السلطة، وستبدأ المحاكمة في مجلس الشيوخ قريبا. وكي تتسنى إقالة الرئيس، وفقا للدستور الأمريكي، يجب أن يصوت ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ المائة لصالح قرار استبعاد ترامب من منصبه. للديمقراطيين 48 عضوا فقط، وبالتالي سيحتاجون إلى 19 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين للوصول إلى الثلثين المطلوبين، وهو أمر من المستحيل تحقيقه، وبالتالي سيستمر ترامب في منصبه. ومع ذلك، سيركز التلفزيون ووسائل الإعلام الاجتماعية على محاكمة مجلس الشيوخ، ولن يكون تركيز الجمهور في صالح ترامب مع اقتراب انتخابات نوفمبر. كيف سيكون رد فعل ترامب إذن؟

تظهر استطلاعات الرأي أن المرشحين الديمقراطيين يتمتعون بدعم أكبر مما يحظى به ترامب حتى الآن. ويعتقد ترامب أن مصلحته السياسية تتمثل في الظهور بقوة في مواجهة إيران والإرهاب، وإلقاء اللوم على الحزب الديمقراطي باعتباره حزبا ضعيفا. فهل سيتخذ ترامب خطوات عسكرية إضافية لردع إيران في محاولة لتحسين موقفه السياسي قبل نوفمبر القادم؟ لم يذكر ترامب تقديم أي تنازلات لإيران في تعليقاته التي سمعناها في 8 يناير. إذا نحن في نفس المكان في المواجهة مع إيران بالضبط كما كان الحال في 26 ديسمبر (كانون الأول).

(الشرق الأوسط اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"