حتى إن كان عنوانها العريض تقديم واجب العزاء، فقد حلّ الرئيس العربي الذي قال بأن «التطبيع خيانة» ببلد يطبع على المكشوف، ولا يتورع عن فتح ذراعيه لنتنياهو، فيما لم يزر بالمقابل إلى الآن أرض الكفاح وبلد المليون ونصف المليون شهيد. أليس ذلك هو الانطباع السائد في بعض الأوساط حول الرئيس التونسي قيس سعيد؟ ربما رسخ في تونس ما يشبه العرف، الذي جعل الجزائر تكون الوجهة الخارجية الأولى لأي رئيس جديد. ولأجل ذلك فقد بدا منطقيا جدا أن يعلن سعيد، خلال حملته الانتخابية، مثلما فعل معظم المرشحين الباقين عن أن الجارة الشرقية الكبرى ستكون على رأس قائمة الدول التي سيقصدها بعد استلامه المنصب.

لكن وبعد مضي أكثر من شهرين على دخوله قصر قرطاج، لايزال موعد الزيارة مجهولا، فهي وكما يتندر البعض قد تحصل بين اليوم والآخر، إذ لا أحد يدري بالضبط كم زمنا ستستغرقه تلك «الأسابيع القليلة المقبلة» التي كان رئيس الحكومة التونسية، قد أكد خلال تسليمه في نوفمبر الماضي رسالة «صداقة وأخوة ومودة» إلى الرئيس عبد القادر بن صالح، على أنها ستكون كافية لوصول نظيره التونسي إلى قصر المرادية. لكن المؤكد أن الموعد طال بشكل لا يتناسب أبدا مع طبيعة العلاقة التاريخية، التي ظلت على اختلاف وتعاقب الأنظمة والعقود، على قدر من الخصوصية والأهمية الاستراتيجية بالنسبة للطرفين معا.
لعل حاجة سعيّد لتأكيد استقلالية تونس وحيادها في أكثر من ملف هي التي جعلته يتفادى تقديم ترضيات رمزية لبعض جيرانه على حساب البعض الآخر

ولعل المبرر المنطقي الذي قد يجده التونسيون والجزائريون لمثل ذلك التأخير، هو كثرة مشاغل والتزامات الرئيسين الجديدين، وحاجتهما لبعض الوقت حتى يتعرفا عن قرب إلى أكوام من الملفات المهمة الموضوعة فوق مكتبيهما، غير أن ما قد يلقي بالمقابل قدرا من الشكوك، في جدية مثل ذلك التفسير، هو أنه في الوقت الذي كانت فيه بعض المصادر تشير إلى أن السلطات الجزائرية، قد وجهت بالفعل، ومنذ أيام، دعوة رسمية للرئيس التونسي ليحل ضيفا عليها، خالف سعيد كل التوقعات وقرر التحول الأحد الماضي، وفي أولى جولاته الخارجية إلى سلطنة عمان بدلا من الجزائر، مثلما كان مفترضا. ومع أنه كان لكل واحد من الشخصيات التي تقاطرت يومها على مسقط، مبرراته ودوافعه السياسية والمنطقية للقدوم، إلا أن النظر إلى العلاقة التونسية العمانية وحدها، لم يكن يسمح للتونسيين بأن يتفهموا الحاجة التي دعت رئيسهم لأن يترك بلاده، ولو لساعات، في ظرف صعب ودقيق تعرف فيه أزمة سياسية ودستورية تعمقت بتصويت البرلمان على حجب الثقة عن الحكومة المقترحة، ليتحول إلى السلطنة لتقديم التعازي في وفاة السلطان قابوس. فقد اعتبر كثيرون أن الجزائر كانت الأولى بذلك، لارتباطات البلدين، ووجود أكثر من ملف مشترك يعنيهما، عدا الملف الليبي الذي بات يشغلهما بشكل مطرد.
ولم يكن مثل ذلك القرار عبثيا أو مرتجلا. فقد كان واضحا أن قيس سعيد لم يكن يبحث عن الظهور على الساحة الإقليمية والدولية، لمجرد الظهور أو لتأدية دور ما، ورغم أنه وعد في السابق بأن تكون الجزائر هي وجهته الأولى، إلا أن حسابات وظروفا طارئة هي التي قد تكون دفعته لأن يراجع إعلانه ويؤخر وعده لبعض الوقت، ويضع بلدا عربيا وخليجيا لا تجمعه علاقات أو مصالح كبرى بتونس على رأس جدول زيارته.

وكانت طبيعة تلك الزيارة والظرف الذي حصلت فيه، كفيلة بأن تجيب على أي قلق أو انزعاج رسمي، أو حتى غير رسمي جزائري، أو على أي تكهنات محلية في تونس، حول مدى التزام الرئيس باتباع التقليد أو العرف الدبلوماسي، أو حتى الوفاء بالالتزام الذي قطعه على نفسه بأن يزور للجزائر قبل غيرها. ومع ذلك فقد أصر البعض على أن يثير زوبعة في فنجان ويحول المسألة إلى قضية رأي عام، ويضرب من خلالها أكثر من عصفور بحجر واحد، فيحاول المس بصورة الرئيس والتشكيك في مواقفه وقراراته، والغمز واللمز والإيحاء، بأن هناك تعكرا وحتى أزمة بين تونس والجزائر على أمل أن يستثمر كل ذلك في مزيد الضغط لفرض مرشح بعينه لرئاسة الحكومة المرتقبة، أو حتى نسف المسار الديمقراطي التونسي برمته، من خلال صناعة حالة من الفراغ السياسي والدستوري. والمؤسف أن لا احد داخل تونس كلف نفسه عناء البحث عن الأسباب أو العوائد السياسية التي خطط الرئيس التونسي لجنيها من وراء زيارة لم تستغرق سوى بضع ساعات، بل انساقت بعض الأصوات الإعلامية وراء البحث عن كلفة الرحلة الجوية الرئاسية إلى عمان لتشكك بعدها مباشرة في «تعفف» الرئيس وحرصه على المال العام، برفضه الإقامة في قصر قرطاج، وكأنها كانت تشير أو تنتظر أن يكون تحوله المقبل إلى الجزائر من دون طائرة رئاسية، بل فقط مشيا على القدمين.

وربما صدر عن الجانب الآخر، أي الجزائري شيء من عدم الارتياح، ربما لم يتعد حتى الآن حدود التفاعل الإعلامي. فقد أشار موقع «البلاد» الإخباري مثلا إلى أن «وفاة السلطان قابوس بن سعيد وتأخر تشكيل الحكومة في تونس، بعد رفض البرلمان لقائمة الحبيب الجملي، حالت دون تحقيق الرئيس التونسي لوعده». ولكن ألم يأخذ الموضوع أكبر من حجمه؟ وهل كانت العبرة والغاية من زيارة الجزائر هي مجرد الزيارة في حد ذاتها، بغض النظر عما كانت ستضيفه أو تجلبه للتونسيين والجزائريين من إضافات وفوائد؟ لا شك أن تصوير الأمور بتلك السطحية، ثم بناء فرضيات وقراءات واستنتاجات خاطئة على أساسها، يضعنا وجها لوجه أمام دبلوماسية المجاملات المعتادة في المنطقة، التي لا يبدو أن الرئيس التونسي مستعد أو قادر ومؤهل للقيام بها بالشكل المطلوب. فما الذي كان يمنع قيس سعيد من أن يتحول لساعات معدودة، ويأخذ مثلا بعض الصور الاستعراضية مع نظيره الجزائري في قصر المرادية، ثم يكرر تلك التصريحات المعلبة حول متانة وقوة الأواصر والعلاقات بين البلدين، ويمضي بعدها في حال سبيله تاركا حليمة على عاداتها القديمة؟

 

ألم يكن تأخير الزيارة للإعداد لها إذن أفضل ألف مرة من الانسياق وراء الاستعراضات والمجاملات التي لم تعد تغني ولا تسمن من جوع؟ سيكون من السذاجة الاعتقاد بانه ليس هناك من دافع قوي وراء تقديم زيارة عمان على زيارة الجزائر، فتونس لا يمكنها أن تقفز فوق الجغرافيا. فعدا عن أن سلطنة عمان بلد مطبع فهي أيضا بلد معروف بحياده، وعدم انسياقه وراء سياسة المحاور، وانه مفتوح على كل الخصوم. ولعل حاجة سعيد إلى تأكيد استقلالية تونس وحيادها في اكثر من ملف هي التي جعلته يتفادى تقديم ترضيات رمزية لبعض جيرانه على حساب البعض الآخر، ويستعد ربما للقيام بدور الوسيط الإقليمي الذي نجح فيه السلطان قابوس في الخليج إلى حد كبير. لكن هل سيكون التأخير بالنهاية مثمرا ومفيدا؟ هناك مثل تونسي يقول « كل تأخيرة فيها خيرة» وما يأمله التونسيون والجزائريون معا هو أن يعم الخير الوفير عليهم سواء بالزيارة أو بدونها.

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"