للمرة الثانية خلال شهرين فقط، تنجح تركيا في إفشال ترتيبات دولية لإعادة تقسيم المنطقة وهندستها، كما حدث في اتفاقيات سايكس - بيكو بين إنجلترا وفرنسا قبل 100 عام، هكذا يقول البعض ممن يتابعون تداعيات توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا.

قبل شهرين فقط، وبالتحديد في 9 أكتوبر الماضي، شنّت تركيا وجماعات متحالفة معها من المعارضة السورية، هجوما على وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية، وبعدما سيطرت على قطاع من الأراضي داخل سوريا بطول 120 كيلو مترا وعمق حوالي 30 كيلو مترا من بلدة رأس العين حتى بلدة تل أبيض، أبرمت تركيا اتفاقين منفصلين مع الولايات المتحدة في 17 أكتوبر، ثم مع روسيا في 22 من الشهر نفسه، لوقف الهجوم.

استطاعت أنقرة تحقيق أهدافها من العملية، أو على الأقل الحدّ الأدنى منها، وهو ما أكّده فخر الدين ألطون رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، الذي قال: «من خلال عملية نبع السلام فقط، أثبتنا إمكانية وضع قواعد لعبتنا، وإحباط مشاريع هندسة جيوسياسية مشابهة لأخرى حاكتها جهات فاعلة أجنبية قبل 100 عام، على الرغم من جميع محاولات الحصار».

أما الخطوة الثانية، فقد تمت يوم 27 نوفمبر الماضي، حينما وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مذكرتي تفاهم مع رئيس الوزراء الليبي فايز السراج خلال زيارته لتركيا، تتعلق المذكرتان بالتعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس، وتحديد مجالات الصلاحية البحرية، بهدف حماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الاثنين الماضي، إن مذكرة التفاهم مع ليبيا هي أقوى رد على محاولات اليونان وقبرص، الرامية إلى تطويق وعزل تركيا في شرق المتوسط، وأوضح أن تركيا استخدمت حقها النابع من القانون الدولي.

وشدّد على أنه لا يمكن للاعبين الدوليين الآخرين القيام بأنشطة بحث وتنقيب في المناطق التي حددتها تركيا بموجب الاتفاق -مع ليبيا- دون الحصول على موافقة أنقرة، وأضاف: «لا يمكن لقبرص الجنوبية ومصر واليونان وإسرائيل، إنشاء خط نقل غاز طبيعي من هذه المنطقة دون موافقة تركيا، لن نتساهل بهذا الصدد، وكل ما نقوم به متوافق بالتأكيد مع القانون البحري الدولي». هذه اللغة القوية الحاسمة من جانب تركيا، تعكس تصميم أنقرة على الدفاع عن مصالحها بشتى السبل، بعد أن عبّرت اليونان عن رفضها للاتفاق، وقامت بطرد السفير الليبي، غير أنه من اللافت للنظر أن اعتراضات أثينا لم تتطرق بكلمة واحدة إلى تركيا، بعكس الموقف الرسمي المصري الذي أظهر العداء لتركيا، قبل أن يتراجع، ويعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري أن الاتفاقية لا تمس مصالح بلاده.

المثير أيضا أن أردوغان كشف النقاب في تصريحات بإسطنبول السبت الماضي، عن تدشين خط بحري بين تركيا وليبيا، يجري العمل بشأنه حاليا، وذلك وفق نص الاتفاقية المبرمة بين البلدين، وأضاف: «بعد توقيع نص المذكرة بين تركيا وليبيا، قام البرلمان التركي بالتصديق بشكل خاص على الاتفاق المتعلق بتعيين حدود مناطق الصلاحية البحرية، كما صدق عليه أيضا رئيس الجمهورية التركية، وبذلك تم إرساله إلى الأمم المتحدة».

ويبدو أن التموضع الاستراتيجي التركي يحرم أطرافا دولية من اصطياد عصافير كثيرة بحجر واحد، ففي الوقت الذي تحقق بعض الدول داخل المنطقة وخارجها مكاسب على الأرض أو في البحر، فإنها في الوقت نفسه تحرم شعوب المنطقة من حقوقها المشروعة في بلادها وثرواتها، وتعزل تركيا عن محيطها الإقليمي، وتحرمها من التنقيب عن ثرواتها.

تركيا تسعى لكي تحاصر من يستهدفون حصارها وعزلها، وقد أنجزت نجاحات ملموسة في سبيل تحقيق هذا الهدف.

عن صحيفة العرب القطرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"