المتتبِّع لأطوار محاكمة المسؤولين ورجال المال، المتهمين في ملف تركيب السيارات، يدرك أنّ من أعظم النعم التي حبى اللهُ بها الجزائر المستقلة، هي حَراك 22 فبراير الذي أطاح بهذه العصابة، وبعث بها إلى مزبلة التاريخ، ولولاه لكانت الجزائر الآن تئنُّ تحت وطأة العهدة الخامسة، ولكان السعيد وأويحيى وحدّاد والبقيّة يواصلون الاغتراف من المال العامّ بلا رقيب ولا حسيب إلى أن يقودوا البلاد إلى الإفلاس الحتمي.

خلال مجريات هذه المحاكمة التاريخية، سمع الشعب الجزائري عجبا؛ عشرات آلاف ملايير السنتيمات تفلت من الخزينة العمومية على شكل إعفاءات من الضرائب والرسوم والحقوق الجمركية منحتها حكومة سلال لكمشة من رجال المال المحظوظين الذين حصلوا بالمحاباة على رخص لفتح ورشات -ولا نقول مصانع- لتركيب السيارات، وحصلوا بالهاتف على قروض بمبالغ خيالية من البنوك العمومية، لتشييد هذه الورشات، على طريقة "من لحيتو بخّرلو"، ثم رفعوا أسعار السيارات المركّبة بشكل صاروخي، وكانت تلك إحدى المفارقات العجيبة التي لا تحدث إلا في الجزائر!


وردا للجميل، كان رجال المال يُدخِلون أبناء الوزراء وكبار المسؤولين شركاء في مؤسَّساتهم، وكانت حسابات المسؤولين السامين تتضخّم بملايير السنتيمات، حتى إن حساب أويحيى وحده بلغ 300 مليار سنتيم، ولم يستطع أمام القاضي تبرير مصدرها، وهو الذي اعترف من قبل لقاضي التحقيق بأنها "هدايا من أصدقاء" ثم تراجع؟!


ومقابل هذا النزيف والعبث بمال الشعب، لم يكن هناك أيّ مؤشّر يدلّ على أنّ هناك "صناعة" سيارات وافدة إلى الجزائر في السنوات القادمة؛ فهي تُصنَّع في الدول الأصلية، ثم تُفكَّك وتُصدَّر أجزاء إلى الجزائر، فتقوم ورشة التركيب بإعادة تجميعها ثم نفخِ عجلاتها وإخراجها إلى المستهلِك، ولم يكن المركّبون يصنِّعون أبسط قِطع السيارة محليا، حتى المرايا العاكسة.. وبذلك حوَّل السعيد وسلال وأويحيى وبوشوارب وغيرُهم… الجزائرَ العظيمة، صاحبة أكبر ثورة تحريرية في التاريخ، وأكبر بلد عربي وإفريقي مساحة، إلى مادّة للتندّر والسخرية في العالم، فهل تكفي سنوات في السجن، وحتى المؤبّد، لمعاقبة مثل هؤلاء المسؤولين المستهترين الذين ضربوا هيبة بلدهم في الصميم؟


قد تتمكّن الدولة من استرجاع بعض الملايير وكذا العقارات المنهوبة، وتحكم على هؤلاء العابثين بالسجن سنوات طويلة، ويُطوى الملفّ، لكن الشعب الجزائري لن يطويه، وسيبقى أعواما طويلة يتحدّث عن مسؤولين تولّوا الحكم فبغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد، ولم يوازنوا حتى بين المصلحة العامّة والمصلحة الخاصّة، وتصرّفوا وكأن البلد مزرعة خاصة لهم ولزوجاتهم وأولادهم، واستغلُّوا نفوذَ مناصبهم للحصول على الريوع والامتيازات والرشاوى وملء حساباتهم وأفراد عائلاتهم بالسحت، كما بدّدوا ألف مليار دولار من مداخيل البلاد ونشروا الإحباط واليأس في أوساط الشعب ودفعوا آلاف الشباب إلى رمي أنفسهم في البحار بحثا عن حياة تحفظ لهم كرامتهم في أوروبا.


بقي أن نقول أخيرا إنّ مكافحة الفساد بنجاعة والحؤول مستقبلا دون تكرار ما جرى من مهازل ومخاز، يتوقّف على مدى حدوث التغيير العميق الذي يطالب به ملايين الجزائريين منذ 22 فبراير، وتؤكّد التجارب العالمية أنّ النزاهة والشفافية في تسيير المال العامّ لا يمكن أن يترسّخا إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي قائم على مؤسّسات رقابة قوية، وفي مقدّمتها العدالة المستقلة والبرلمان المنتخَب والصحافة الحرّة…

(الشروق الجزائرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"