منذ تشكيل الحكومة الجديدة قبل أشهر عدة، أضحى مصطلح «الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل» الأكثر استخداماً وتعاطياً في الحياة اليومية الفلسطينية، فلا يمر بيان سياسي أو اقتصادي أو رد فعل على الاعتداءات الإسرائيلية بمختلف أشكالها إلا ويستخدم فيه هذا المصطلح.


رئيس الحكومة د. محمد إشتية، يصر على الانفكاك الاقتصادي، وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة إجراءات عدة من أجل الانفكاك التدريجي عن الاحتلال، ومن بين هذه الخطوات تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية المجاورة بشكل خاص، وتشجيع الاستيراد البديل من الدول الأجنبية، وقد تركزت هذه الجهود على زيادة الواردات الفلسطينية من مصر والأردن، حتى إن طاقماً وزارياً كاملاً غادر قبل أسابيع إلى مصر من أجل توقيع اتفاقيات تصب في مجملها في الانفكاك الاقتصادي.
لكن السؤال الصعب والمحرج في الوقت نفسه، هل لدينا القدرة الحقيقية على الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي أم أننا مجرد تابع مرتبط بشكل كامل أو بحبل سري مع الاقتصاد الإسرائيلي وأن مجرد قطعه يعني الكارثة؟!


تجربة «العجول» ربما تجيب عن هذا التساؤل بشكل أكثر وضوحاً، وإن كانت الإجابة مؤلمة وغير مقبولة لنا. الفلسطينيون يستوردون من إسرائيل نحو 120 ألف عجل سنوياً، وهناك مربو عجول إسرائيليون يعتمدون بشكل أساسي على السوق الفلسطينية، التي تعتبر ثروة بالنسبة لهم.
ضمن محاولات الانفكاك كان قرار الحكومة وقف استيراد العجول الإسرائيلية، والإبقاء على الاستيراد من الخارج، إضافة إلى حصة مربي العجول الفلسطينيين؟!


هل نجحنا في هذا المخطط؟ حتى الآن الظاهر، نعم. لكن هذه ليست الحقيقة. نعم مؤقتة، ولكن ما هو مقبل يؤكد عكس ذلك.


سلطات الاحتلال بدأت بإجراءات عقابية، كانت الخطوة الأولى تأخير توريد العجول المستوردة من الخارج وحجزها في الموانئ الإسرائيلية، ما يكلف المستورد الفلسطيني مبالغ باهظة هي عبارة عن بدل الحجز والأعلاف المقدمة لهذه العجول، علماً أن هناك عجولاً محتجزة منذ أكثر من شهر ونصف دون تصريح بالإفراج عنها.


تأخير الاستيراد جزء من العقاب.. صمود الموقف الفلسطيني أجبر الاحتلال على زيادة جرعة العقوبات. فما يسمى منسق شؤون المناطق (الأراضي الفلسطينية المحتلة) صعّد بقرار جديد يحظر على البنوك الإسرائيلية صرف الدولار مقابل الشيكل للبنوك الفلسطينية والعاملة في الأراضي الفلسطينية، ما يعني أزمة اقتصادية مالية كبيرة للفلسطينيين، في ظل تراكم مئات ملايين الشواكل سواء في البنوك أو السوق. وبعد تحذيرات إسرائيلية من انهيار اقتصادي سريع للفلسطينيين تدخل وزير المالية الإسرائيلية موشيه كحلون وأوقف القرار.. وستظل قصة العجول مستمرة كحرب داحس والغبراء حتى يعلن الفلسطينيون علانية الموافقة على قرار العودة لاستيراد العجول الإسرائيلية، علماً أن معلومات غير مؤكدة تقول إن هناك اتفاقاً على عودة الأمور إلى سابق عهدها بشكل تدريجي ومن خلال إعلان السلطة بشكل عام السماح للمستوردين الفلسطينيين باستيراد العجول دون تحديد المصدر؟!!
نعيد صياغة السؤال السابق بطريقة أخرى، إذا لم نستطع في النهاية الصمود في معركة العجول، فكيف سنتمكن من الانفكاك من الاستيراد من إسرائيل الذي وصل في العام 2017 إلى 3،234 مليار دولار، بارتفاع نسبته 4?، فقد بلغ حجم الواردات من إسرائيل في العام 2016، 3،12 مليار دولار، ما يعني أن 60? على الأقل من الواردات الفلسطينية هي من إسرائيل (حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).


علماً أن الأراضي الفلسطينية تعتبر رابع أكبر سوق للصادرات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة والصين وبريطانيا!!


المعطيات السابقة تأكيد لا يقبل الشك أنه في ظل الاحتلال لا يمكن للاقتصاد الفلسطيني أن يجد فرصة حقيقية للانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، لأن إسرائيل هي المسيطرة على الحدود والمعابر والموانئ والمطارات، ولا يستطيع الفلسطينيون إدخال «إبرة خياطة» دون تصريح إسرائيلي. وأن إسرائيل قادرة على فرض عقوبات متصاعدة من الصعب على اقتصاد صغير ناشئ تحملها.


قد يكون المصطلح الأفضل استخدامه الآن هو التخلص البطيء من التبعية شبه الكاملة للاقتصاد الإسرائيلي مع الاعتماد قدر الإمكان على المنتج الوطني، وهو الأسهل كبديل عن الإسرائيلي.
ولا بد من زيادة حصة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الذي انخفضت مساهمته من 12? في العام 1994 إلى 3? في العام 2018.


أمام هذا الواقع المرّ، لا بد لنا من إعادة صياغة خطابنا الإعلامي الاقتصادي وخاصة ما يتعلق بارتباطنا بالاقتصاد الإسرائيلي وكيفية الانفكاك عن هذا الكابوس.

 

عن صحيفة الأيام الفلسطينية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"