تظهر المسألة الاجتماعية بقوّة في الاحتجاجات المتعدّدة في هذا العالم، بأقوامه وأجناسه المختلفة، بما في ذلك الاحتجاجات المستمرّة في البلاد العربية، والتي تتأهّب للدخول في سنتها العاشرة. وإذا كانت عوامل سياسية متشابهة، وتطلّعات عربيّة متقاربة، عزّزتها مشتركات العرب الجوهريّة، قد كشفت عن كوامن سياسيّة فيها، فإنّ البعد الاجتماعي شديدُ الظهور، وهو الأكثر اتصالا ببقيّة الاحتجاجات العالميّة، والتي تحتجّ بدورها على نمط الاقتصاد العالمي، المحمول على قوى سياسية عالمية خارقة، والمدجّج بالتقنية وثورة الاتصالات، ويحمل معه أفكاره وقيمه، حتّى أُعيد دمج كلّ واحد منّا داخل هذا النمط، بما يزيده تعبا وقلقا دون أن يتوقع الراحة أبدا.

تبدو الدولة في كثير من بلاد العالم، ولا سيما في بلادنا العربيّة، مُتخلّية عن مواطنيها إزاء هذا النمط الاقتصادي، حينما تضع مواطنيها في طاحونته، ثمّ تعتمد في استمرارها، وتدوير عجلتها عليهم، لا لضمان مصالحهم، بقدر ما هو لضمان مصالح النخبة التي تحتكر الدولة، وتضمن رفاهيتها من تعب المسحوقين. فبالإضافة إلى الضرائب المتصاعدة، والتنويع فيها، تعتمد بعض الدول العربية على المساعدات الخارجية اعتمادا أساسيّا، وهو الأمر الذي يُدخل المواطن العربي في قلق معتم تماما.

فإذا كانت الوظيفة العمومية، أو الخاصّة، غير آمنة في الأصل، وغير كافية بطبيعة الحال، ولا يتجاوز دورها حقن المواطن بمسكّنات الأمان الزائف، وبالتالي ضمان استعباده إلى آماد قادمة، فإنّ الدولة نفسها دائما على حافّة الخطر. فبعض البلاد العربية لا تكاد تخرج من هذا الضرب من الأزمات، وبلاد أخرى، ثريّة بالنفط والموارد الطبيعية، أخذت تتحوّل للاعتماد على المواطن نفسه لتدعيم ميزانيتها، وصار الحديث في بعض البلاد عن احتمالات انهيار المصارف وعجز الدولة عن دفع الرواتب؛ حديثا أشبه بالواقع، بل إنّ المقترحات الاقتصادية الإصلاحيّة، دائما، ما تبدأ بهذا الإنسان المسحوق، بتسريحه من وظيفته، أو تقليص راتبه، أو تخفيض قدرته الشرائيّة بتخفيض قيمة العملة.

 

بعض البلاد العربية لا تكاد تخرج من هذا الضرب من الأزمات، وبلاد أخرى، ثريّة بالنفط والموارد الطبيعية، أخذت تتحوّل للاعتماد على المواطن نفسه لتدعيم ميزانيتها، وصار الحديث في بعض البلاد عن احتمالات انهيار المصارف وعجز الدولة عن دفع الرواتب


في فلسطين عجزت السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب موظّفيها كاملة عدّة مرّات، وفي الوقت نفسه يبدو الاقتصاد الفلسطيني وهو ينكشف عن فقاعة عقاريّة، اعتمدت بالدرجة الأولى على تمويلات البنوك، ومن شأنها اليوم أن تلقي ظلالا سوداء على المستقبل القريب للمنظومة كلّها، في واقع لا تتعدّى طبيعة اقتصاده الشكل الريعيّ الخدميّ البسيط، وعلى نحو مثير، كأن تضمّ مدينة صغيرة مثل رام الله عددا من المولات، والفنادق الكبيرة، وأعدادا لا تكاد تنتهي من المطاعم والمقاهي الحديثة، وهو ما يطرح أسئلة كثيرة عن دوافع هذه النشاطات الاقتصادية التي لا تلاحظ وجود الاحتلال، ولا انعدام الاستقرار السياسي، ومن ثمّ سوف ترتهن القضيّة الوطنيّة برمّتها لهذا الواقع الاقتصادي الشائه ونخبته الاقتصادية المتحالفة مع النخبة النافذة بأدواتها السلطوية.

أساس المشكلة في هذه الحالة سياسيّ، وهو إيجاد صورة من الحكم الدولاتي في ظلّ الاحتلال، مما يعني حتما النزول بالمشروع التحرّري إلى مشروع بقاء هذه الصورة الدولاتية بأيّ ثمن، بحكم اشتراطات القوّة الغالبة، ابتداء من الاحتلال المباشر، إلى اختلال الموازين المحيطة، ثمّ تولّد طبقة أبناء "الدولة"، السادة وملاك البلد، وصولا إلى أوليغارشية تمثّل نخبة رأس المال الكومبرادورية أحد أعمدتها.

ومهما كانت الدوافع الوطنيّة التي حوّلت حركة التحرر إلى سلطة، دمجت في سياقاتها الحركة الوطنيّة كلّها وعموم الفلسطينيين، فإنّ هذه السلطة جاءت نسخة عن نموذج الدولة العربية، باختلال مشروعية أنظمته السياسية، وهشاشة اقتصاداته، وفساد آليات عمله، ثمّ زادت على ذلك أنّها انبنت في ظلّ الاحتلال بما يستتبعه ذلك من التزامات ويفرضه من مسارات. والخطير في كلّ ذلك، هو تحوّل حركة التحرّر، من ناهضٍ بعبء تعزيز صمود المواطنين داخل الأرض المحتلّة، أو في مخيمات اللجوء، وتوزيع أثمان النضال على الجميع، إلى سلطة تغذّي استمرارها من المواطنين، من يتعب فيها هو الأقلّ أخذا، ثم يُعاد تدوير كثير تعبه، وفتات أخذه، لتمويل استمرار السلطة السياسيّة، أو في طاحونة نخبة رأس المال الأقلّ عددا بطبيعة الحال بين الفلسطينيين، في نمط حديث من أنماط الإقطاعيّة.

 

السلطة الفلسطينية جاءت نسخة عن نموذج الدولة العربية، باختلال مشروعية أنظمته السياسية، وهشاشة اقتصاداته، وفساد آليات عمله، ثمّ زادت على ذلك أنّها انبنت في ظلّ الاحتلال بما يستتبعه ذلك من التزامات ويفرضه من مسارات


والسؤال الأهمّ حينئذ: كيف يمكن إعادة حشد المواطنين لمواجهة الاحتلال، وهذا هو واقعهم؛ أغراب على هامش النخبة؟! فكيف إذا أضيفت إلى ذلك نتائج تضحيات الفلسطينيين عموما داخل الأرض المحتلة، في الانتفاضتين الأولى والثانية؟ إذ تمثّلت في تكريس هذا الواقع، الذي ينسحب عليه طغيان الرأسمالية العالمية، ونظامها النيوليبرالي، بأجندته السياسية، وأدواته المحليّة، وبالتالي تجريف أوضاعنا وتغيير قيمنا وأولوياتنا وإعادة هندستها باستمرار.

واللافت، والحال هذه، غياب الأحزاب الأساسية والقوى الوطنية، عن المسألة الاجتماعية، حتّى أنّ أهم الفعاليات الاجتماعية الناجحة أخيرا، أي حراك الضمان الاجتماعي، قد عزل نفسه عن القوى الحزبية والفصائلية بلا استثناء، وهو مؤشّر مهمّ لمن أراد قراءة أوضاع البلد والتحوّلات التي فيها.

وفي حين تُشكّل حركة فتح السلّم الذي نزل بحركة التحرّر إلى السلطة بصورتها المرسومة، وتُوظّف النقابات في أغراض سياسيّة ضيّقة تخدم النظام، فإنّ قوى اليسار والتي دبجّت خطابتها تاريخيّا بعدّة اجتماعية نظريّة.. اندمجت كثير من عناصرها، اليوم، في واحدة من أدوات دفع المواطنين إلى الهامش، أي منظّمات المجتمع المدني المموّلة غربيّا، بالإضافة إلى تمتّع بعضٍ من قياداتها، بمكاسب مستفادة من حصّتها في النظام، وتراجع خطابها الاجتماعي، ليتجاوز عن المسألة الاقتصادية ويتبنّى اهتمامات ليبرالية مقصورة على الحرّيات الفرديّة.

 

لا تبدو المسألة الاجتماعية من اهتمامات الإسلاميين، بأطيافهم، ولا سيما حركة حماس، وإذ سوف يجادل بعضهم بانشغال الحركة، في محطّات كثيرة، بالعمل الخيريّ، فإنّه لن يلاحظ، أنّ هذا العمل على أهمّيته غير كافٍ، وأنّ الاقتصار عليه يعيق انتقال المواطن إلى الفاعلية الاقتصادية بإبقائه تحت "الصدقة"


وذلك في حين لا تبدو المسألة الاجتماعية من اهتمامات الإسلاميين، بأطيافهم، ولا سيما حركة حماس، وإذ سوف يجادل بعضهم بانشغال الحركة، في محطّات كثيرة، بالعمل الخيريّ، فإنّه لن يلاحظ، أنّ هذا العمل على أهمّيته غير كافٍ، وأنّ الاقتصار عليه يعيق انتقال المواطن إلى الفاعلية الاقتصادية بإبقائه تحت "الصدقة"، هذا بالإضافة لفقر خطاب الحركة الإسلامية بالمضامين الاجتماعية الاقتصادية، بالنسبة إلى طغيان الخطاب السياسي الخالص كما هو الآن، أو شحنه بالخطاب الدعوي كما في مراحل ماضية، أو بالوعود الاقتصادية في المواسم الانتخابية، وهي وعود لن تنجح، ولا حاجة لاستدعاء التجربة شاهدا.

الأهمّ في ذلك، أنّ حماس قد أصبحت جزءا من النظام، وإن بممارسة سياسية مختلفة فيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال، فهي بالتأكيد ليست جزءا من المنظومة الدولية المشار إليها، وعدوّ أكيد للاحتلال، بيد أنّ متطلّبات السلطة، ولا سيما مع حالة الحصار، تحوج سلطتها إلى المواطن ليعزّز صمودها، بدلا من أن تُعزّز هي صموده، وبذلك كما هو ملاحظ تصير البلد طاردة لأهلها، الذين يدفعون لسلطة لا يأخذون منها، أو يخضعون لسلطة لا يمكنها توفير العمل لهم، وهو واقع في الضفّة وغزّة.

وبالتأكيد تلعب السلطة دورا مهمّا في تعزيز الفوارق الطبقيّة، أو خلق طبقات داخل الفصيل الواحد، حينما يلتحق بالسلطة. وذلك كلّه، ويا للمفارقة، قبل إنجاز مشروع التحرير. كذلك فإن انعزال جغرافيات وجود الفلسطينيين عن بعضها، واختلاف ظروفها، ودون مراعاة واجب تعزيز صمود المواطنين داخل الأرض المحتلة، وتحرّي العدالة النسبيّة، من شأنه أن يمسّ جوهريّا بقدرة العناصر داخل الأرض المحتلّة على القيام بواجبهم النضالي، وتلك أمور تزيد المشكلة الأساسية تعقيدا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"