استقرّت المفاهيم السياسية التي تضع إطار نشأة الدول على ثلاثة محددات: أولا، مجتمع أو شعب، ثانيا، أرض أو إقليم يمثل الوعاء الحدودي لهذه الجماعة، وأخيرا، سلطة تنظّم العمل داخل هذه الجماعة. فالإنسان هو أصل الاجتماع، وهو غاية التنظيم، وأي حَرْفٍ لأوَّليَّة الإنسان في هذا الترتيب، فستكون الغاية دون مِرَاء تعزيز وضع السلطة في هذا الثالوث الذي أصبح أخطر ما مَرَّ على تاريخ وحاضر البشر على الإطلاق.

وجه الخطورة ليس في مجرد الاجتماع أو التنظيم، بل في استبداد أصحاب السلطة على مر العصور، وأخطر منه تحولها إلى وراثة سواء بالنَّسَب أو بالطائفة أو بالمهنة. وما من مستبد أو مورِّث سلطة إلا وعمِد إلى تفكيك مظاهر القوة داخل المجتمع، وبقدر صلابة المجتمع تتحدد مساحة سلطات الحاكم، الذي لو قدر على زعم الربوبية إلى نفسه دون نكير لفعل، لذا صار همّ ولاة السلطة إضعاف المجتمع، ومقاومة المجتمع لو نجحت في المجمل وضعُفت في جزء فإن هذا الضعف يتراكم إلى أن ينخر في بنيان المجتمع ككل. ومن هنا وجب التنبّه إلى ترميم كل خرق يقع في النسيج الواحد بل وعلى أطرافه وحدوده، لضمان استدامة التماسك وعدم الانهيار.

 

ما من مستبد أو مورِّث سلطة إلا وعمِد إلى تفكيك مظاهر القوة داخل المجتمع، وبقدر صلابة المجتمع تتحدد مساحة سلطات الحاكم، الذي لو قدر على زعم الربوبية إلى نفسه دون نكير لفعل


هذا الاهتمام بالمجتمع ليس من قبيل الترف، بل لأن الإنسان مجبول على حب العيش في جماعة، يستقوي بعضهم ببعض، سواء في السِّلْم أو العدوان، فيتراحمون ويتعاونون في السلم، ويستظهرون على خصمهم في العدوان، فصار المجتمع ككل أعظم شأنا من آحاد أفراده، والآحاد إن كانوا يشكلون عموم المجتمع وحقوقهم الفردية مُصانة، فإن الحياة الاجتماعية لا تلغي حقوق الأفراد ولكن تُدني درجتها (عند تعارضها فقط) مع حقوق المجتمع، وهذا معلوم في كل مفاهيم التنظيم الاجتماعي المتقدمة. ومن هنا وجب التمييز بين مستويين، أولهما، تعزيز وضع السلطة إزاء المجتمع، وثانيهما، تعزيز وضع الفرد إزاء المجتمع ككل. والأول تنبع خطورته من امتلاك السلطة لأدوات الإكراه المادي كالسلاح والجباية فتستبد بمقدرات المجتمع لصالحها، والثاني تنبع خطورته من تعزيز الانعزال والتوجه نحو الحلول الفردية بدلا من الحلول الجماعية؛ الأمر الذي يذهب بالمجتمع نحو التفكك الداخلي ومن ثَمّ يتهيأ الطريق أمام العدوان الخارجي، فالمجتمع واسطة بين الفرد وبين السلطة ولا يمكن لأي منهما أن يتجاوزه.

كان الوضع في المنطقة قبيل مرحلة الاستقلال يقوم على معادلة تقضي بأن جهة تمثيل الشعب أمام المحتل هي النظام الحاكم، وكان النظام الحاكم معنيّاً بتعزيز سلطته، ومعنيا كذلك بتماسك المجتمع، وربما كانت رعايته لتماسك المجتمع ليكون ورقة ضغط أمام المحتل، وربما كانت لحسٍّ وطني، لكن ما يعنينا أن تماسك المجتمع ككل كان مسألة حاضرة في الوجدان الحاكم، ثم جاءت مرحلة ما بعد الاستقلال لتعصف بكل قيمة ذات شأن، بل أصبح تفكيك المجتمع هدفا بحد ذاته لضمان ديمومة السلطة واستمرار الحكم، وتراكمت هذه العملية في مصر مثلا لنصل إلى شعار عام يقول "مصر أولا"، فبدأ عزل التماسك الأممي بحجة التماسك القومي في عهد السادات، وكانت مرحلة "مصر أولا" أولى مراحل تفكيك التماسك القومي.

يمكن القول بأن مرحلة مبارك شهدت عملية إلهاء قومي ولم تشهد بنفس القدر عملية تفكيك مجتمعي، فتم شَغْل المجتمع بلقمة العيش عن الهم السياسي، وبالترفيه عن نقاشات التعليم والصحة. وفي ظل التنوع السياسي لم تكن هناك رغبة واضحة في إحداث انقسام سياسي بين الأطراف المختلفة، وربما كان هذا لشعور مبارك بأن وضع المعارضة المصرية أضعف من التغيير، فقال كلمته الشهيرة قبيل الثورة عليه: "خليهم يتسلوا"، ثم وقعت الثورة التي أحدثت دويا في أروقة الحكم وانسحب الحرس القديم طواعية أو قسرا ليأتي ضباع السلطة وسفلتها للتعامل مع المجتمع، دون أي اعتبار لأي قيمة، سوى اعتبار الأمان الشخصي للحاكم الطبيب الفيلسوف الواعظ السياسي.. إلخ.

 

مرحلة الانقلاب العسكري لم يكن ممكنا لها البقاء دون إحداث الوقيعة بين عموم المجتمع، ولم يكن أحد ليجرؤ على الإقدام عليها سوى من انحطاط طبعه، فأصبحنا أمام شعار جديد استبدل "إحنا شعب وانتو شعب"


كانت المرحلة الأولى عقب الثورة هي مرحلة استمرار جناح من الحرس القديم الذي ركّز على إحداث الوقيعة بين الفرقاء السياسيين، وسمح انحطاط النخبة السياسية المصرية بتحقيق ذلك دون إشكال على مستوى المجتمع، ثم أُطيح بمن تبقى من الحرس القديم نهاية 2012، لكن مرحلة الانقلاب العسكري لم يكن ممكنا لها البقاء دون إحداث الوقيعة بين عموم المجتمع، ولم يكن أحد ليجرؤ على الإقدام عليها سوى من انحطاط طبعه، فأصبحنا أمام شعار جديد استبدل "إحنا شعب وانتو شعب" بـ"مصر أولا"، وتم تقسيم المجتمع إلى طائفتين "مع النظام، وضد النظام"، وتم دمج النظام بالدولة في بؤس وانحطاط فجّيْن، ثم أصبح رأس النظام وحده هو الدولة، وجرى ذلك في ظلم عارضة متناحرة وليسوا كُلّا يمكنه التعاضد.

عمل النظام الجديد على تشويه معارضيه بكل قوة، كما قامت المعارضة بكل طوائفها بنفس الفعل إزاء خصومها، واستقطب كل طرف أنصاره وحشده في مقابلة الآخر، بدلا من محاولة صنع التسامح بالتجميع، ومواجهةِ صنيع النظام الرامي إلى التفكيك، فتورط الكل في عملية تمزيق المجتمع، وتورطت الهيئات السياسية والهيئات الدينية والهيئات الخدمية والهيئات الاجتماعية، فكانت النتيجة أن كل طرف استقطب أنصارا، وكفر الأغلب الأعمّ من شباب المجتمع بكل رموز وأصحاب هذه الهيئات، فانزلقنا إلى دوامة من التناحر الاجتماعي؛ بلغ مدى الخلافات الأسرية الحادة، وبلغ مدى قيام أم بالإبلاغ عن ابنها لأنه معارض سياسي مطلع عام 2014، لنصل إلى أقصى دركات التسفّل الاجتماعي، وبمباركة من أحط نظام حاكم على الإطلاق تولى مقاليد حكم شعب اشتهر بالتسامح.

بدا من التردي السريع في القيم المزعومة لدى التيارات السياسية أن عملية غرس القيم لديهم لم تكن مستقرة، كما أن نقلها إلى المجتمع كان هشّا وغير صادق؛ إذ تفتقر أنفسهم إليها ابتداء، فلما وقعت الهزة الكبرى بدت الهشاشة التي كشفت وضع المجتمع ككل. ثم تعاظم عامل المال "الإلهاء القومي"، فانكفأ كل فرد على نفسه ليحاول كسب لقمة عيش توفر له ولأسرته حد الكفاية، فأُهملت عملية نقل القيم من الآباء إلى الأبناء ومن الأجداد إلى الأحفاد، وأصبح المجتمع أمام أجيال تقوم بتوجيه ذواتها، أو تستقبل التوجيه من وسائل إعلامية دون وجود خطاب مقابل يقوم بتقويم المسار أو كبح الانحراف.

 

ارتباط الأخلاق بصلاح المجتمع وتماسكه، وهو خطاب لم يعد مقبولا في ظل التناحر الإيديولوجي والطبقي والسياسي والجيلي


يمكن قول الكثير في ارتباط الأخلاق بصلاح المجتمع وتماسكه، وهو خطاب لم يعد مقبولا في ظل التناحر الإيديولوجي والطبقي والسياسي والجيلي، ولا أدلّ على أهمية الأخلاق من انتشار سلوك نبذ القيم الموروثة بدافعيْ البِلى والتحضّر، وكان الامتثال للتوجيه التربوي سببا في تناقل قيم الخير والتعاون جيلا بعد جيل، وبغياب هذه القيم انتشر التحرش، وانتشرت علاقات خارج الزواج التي تتسبب في نزاعات اجتماعية فائقة العنف، فضلا عن كونها رذيلة كبرى، وانتشرت اللامبالاة بمصاب الغير، فوصلنا في النهاية إلى الدفاع عن المتحرش، ومباركة قتل السلطة للمختلف "سياسيا"، أو في أفضل الأحوال التماس تبرير للسلطة بأن المقتول لم يمتثل لأوامرها. ووصلنا كذلك إلى اليأس السريع الذي يفضي إلى إنهاء الحياة للهروب منها، وهذا مجرد توصيف لا يبغي محاكمة من أنهوا حيواتهم.

إن أي تجمع بشري يتكون من مجموعة حلقات، كالجماعات الداخلية المكونة له، سواء كانت جماعات طائفية أو عرقية، ثم هناك الجماعات السياسية، وهناك الجماعات الخدمية، وهناك السلطة، وكل هذه التكوينات لا يمكن كسر حلقة منها وإلا سيفتقد المجتمع بعضا من توازنه، وإصرار إحدى التكوينات على تعزيز مكانتها إزاء باقي الأطراف سيُحدث خللا يفضي إلى فوضى لا محالة، لتترتب على تجربة الفوضى إعادة الاعتبار لباقي المكونات. وهذه الفوضى مرت بها أوروبا عبر قرون خمسة لتنتهي إلى صورة من التآلف، ولا مفر من الوصول إلى حالة التعادل الاجتماعي، سواء عبر الفوضى أو عبر إدراك النخب لذلك، هذا من جهة.

من جهة أخرى، فإن هذه الحلقات يربطها سلك واحد ينظمها، اسمه القيم العليا داخل المجتمع، وإحدى وظائف الاجتماع هي الحفاظ على قيم المجتمع ولغته وعاداته وهويته الثقافية، والإخلال بالقيم العليا يعد عدوانا خطرا على الدولة. والغرب ينتبه لهذا فلا يسمح بالمساس بقيمه من ناحية، ويسعى إلى نشر قيمه من ناحية أخرى، وأحيانا يقوم بعملية نشر القيم بالقوة عبر الحرب، كما فعل الألمان في الحربين العالميتين، وكما تقوم الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في بعض البلدان، لكن المتأثرين بالغرب في مجتمعاتنا يعتبرون الاستمساك بالتراث والقيم والعادات رجعية وتخلف وأنهم أصل تراجعنا، في حين أن الاستبداد كان وسيظل أصل البلاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"