لا نعتقد أنّ رفض التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لبلادنا يمثل موقف مجموعة أو تيار أو فئة مقابل ترحيب آخرين به أو سعيهم لاستعماله في صراع أو خلاف سياسي، إلا ما كان من أشخاص مشبوهين لا يعبرون عن قطاع مجتمعي واسع.

لذلك فهو جامعٌ مشترك بين كل الجزائريين الأحرار على اختلاف رؤاهم من الأزمة الحاليّة، سواء المؤيدين للمسار الانتخابي في الظروف القائمة أو المتحفظين عليه، والخروج إلى التظاهر ضدّ اللائحة الأوروبية من عدمه ليس معيارًا موضوعيّا لفرز المواطنين بشأن حب الوطن أو السعي إلى المساس بوحدته واستقراره.


وعليه، فإنّ ورقة التدخل الخارجي مستهجَنة بصفة جماعيّة، ولا تصلح قرينة للمزايدة الوطنية، وإذا كان تظاهر جزائريين في مثل هذه المناسبات أمرا محمودا ينمّ في الأصل عن وعيهم بالرهانات المحيطة بهم، فإنّ تخلف آخرين خشية استغلال حشودهم مفهومٌ كذلك.


ولكن الأهم هو: كيف نكتسب كدولة المناعة الدائمة ضدّ التدخل الأجنبي بدل أن نبقى أسرى ردود الأفعال للتنفيس وتجييش المواطنين في مسيرات مبرمجة؟

 

الاستدعاء المفرط للتدخُّل الأجنبي ينافي أحيانا ماهية العلاقات الدولية الحديثة في أبعادها العولميّة، إذ زاد معدل الاعتماد المتبادل، وأصبحت أوضاع الدول تتجاوز الشؤون الداخلية بمفهومها التقليدي، لأن تأثيرها ينعكس على جوارها وشركائها في كل مكان.

 

وبذلك، فإنّ المقاربة الفعّالة لصدِّ التدخلات تقوم على تمتين الجبهة الشعبية الداخلية، والتأسيس لمقوِّمات السيادة الفعلية، فهي وحدها الجدار العازل والقوة المضادة والحصانة الذاتية من كل الأخطار الخارجيّة.

 

ولن نحقق هذه المعادلة إلا بحسم الأزمة التاريخية للسلطة والخروج من مأزق الشرعية المعطوبة، فهي مفتاح التحرر من كل القيود المعطِّلة، وهي أم الإصلاحات والإنجازات في كافة الميادين، ومن خلالها نتطلع إلى بناء الاقتصاد الذاتي خارج دوائر التبعية، ونضمن سيادة القرار الوطني بعيدا عن الاملاءات أو المساومات.

 

لا نريد أن نستحضر نماذج لدول وزعامات إقليمية تتعامل اليوم الندّ للندّ مع قوى الاستكبار العالمي بفضل تحقيقها لتوازن القوى مع منافسيها وخصومها، إذ عجزت كل المؤامرات المتوالية عن الإطاحة بها أو حتى عرقلة سيرها نحو الأمام، لأنها فعلا ملتحمة بشعبها وتحمل مشروع نهضة قوميّة تمكّن من حشد الجماهير حوله في مواجهة التربصّات الحاقدة.

 

وإذا لم نصل نحن إلى إدراك وإنفاذ هذه الرهانات، فإنّ ردّ التدخّل الأجنبي سيبقى حبيس الخطب الانفعالية والتظاهرات، التي قد يراها البعض مسيرة للاستهلاك أو التوظيف الانتخابي، بينما تظل ثغور السيادة السياسية والاقتصادية والثقافية مفتوحة أمام الجميع.


 إنّ الخطوات الأولى على تلك الدروب الوعرة هي التعايش بين الجزائريين بمختلف مشاربهم وقناعاتهم، وقبول بعضهم البعض في دائرة المواطنة الجامعة، ناهيك عن إدارة الاختلاف المحمود بينهم عبر الإرادة الشعبية الحرّة من دون وصاية، في كنف الحريات المسؤولة، والتي تكفل للجميع التعبير عن آرائهم ومواقفهم الخاصّة بلا ترهيب ولا تضييق ولا تخوين، طالما جاءت ضمن القوانين الناظمة للحياة العامة.

 

تلك هي خارطة الطريق الآمنة لمسلك المناعة ضدّ التدخل الأجنبي وحتى تجنيب البلد تداعيات الاضطرابات الداخليّة، أما ما نراه اليوم من تصدّر الوجوه البائسة، من فلول العصابة والعهد البائد، في مسيرات الدفاع عن شرف الوطن فهو مؤشرٌ لا يبشر بالتغيير المنشود ولا الفرج القريب، إذ أثبت التاريخ أن الإصلاح لا يصنعه المفسدون!

 

(الشرق الجزائرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"