# الثلاثاء، 03 ديسمبر 2019 04:37 ص بتوقيت غرينتش
توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي، بل بدء الاستعداد لجولة جديدة من صراع، يتصاعد لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تتفاقم يوماً بعد يوم، وقد أثبت نظام الملالي، أنه لا حلول عنده للمشاكل القائمة في الواقع سوى الدم، والدم لن يورث إلا الدم، كما هو شائع.
وإذا كانت إيران ستمضي نحو بدء جولة جديدة في مسارها نحو التغيير، فإن لبنان والعراق مستمران في خوض ثورتهما وسط أمل متناقض لدى الجمهور والسلطة. إذ تسعى ثورة اللبنانيين وأشقائهم العراقيين إلى إسقاط النظام الحاكم، وتغيير النخبة الطافية على سطح الحياة ولا سيما السياسية، فيما تسعى السلطة في البلدين إلى وأد الثورة، وتصفية حراكها ومحركيها عبر إجراءات، تراهن في أحد حدودها على القيام بتغييرات إصلاحية شكلية في النظام، وترى في مستوى آخر، أن الحل في الذهاب إلى الحد الأقصى الممكن من العنف لوقف الثورة، وإعادة الناس إلى حظيرة النظام القائم.
وسط الثورة التي انخرط بها اللبنانيون والعراقيون حتى آذانهم، ومع اقتراب ثورة السوريين من ذكراها العاشرة وسط الكارثة التي أغرقهم بها نظام الأسد وحلفاؤه، قد يكون من المفيد التوقف عن بعض نقاط التقاطع والتمايز في التجارب الثلاث، التي لا شك أن لها جذورا وأسبابا عميقة، تتجاوز ما يظهر على سطح الأحداث.
شكلت الترديات الاقتصادية والمعيشية السبب الرئيسي لبدء حركة الاحتجاجات في لبنان والعراق.
ورغم أن أحوال السوريين، لم تكن أحسن من الناحيتين الاقتصادية والمعيشية، فإن الاحتجاجات السورية انطلقت سواء في دمشق أو درعا في مواجهة انتهاك أجهزة النظام لكرامة السوريين، وقد درجوا في حياتهم العامة على الاهتمام أكثر بالجوانب السياسية.
وشكل الشباب من الجنسين العنصر الرئيسي في فعاليات الحراك الشعبي في لبنان وسوريا والعراق على التوالي، وفي الوقت الذي عزل اللبنانيون والعراقيون الجماعات السياسية وقياداتهم عن حراكهم، دون أن يطلقوا حتى اللحظة قيادات معلنة لحراكهم، فإن النشطاء السوريين تشاركوا العمل مع معارضين مستقلين وقادة في أحزاب المعارضة لإبراز قيادة للحراك السوري، لعبت القوى الخارجية الدور الأساسي في تكوين تعبيراتها السياسية - التنظيمية.
ومنذ البداية، كان القاسم المشترك للحالات الثلاث، اتخاذ الحراك طابعاً سلمياً، ثم تعمم وانتشرت فعالياته في مختلف المناطق، وفق ترتيب أوضحه في لبنان ثم في العراق وسوريا، ولهذا أسباب لعل الأهم فيها اختلاف طبيعة الأنظمة في البلدان الثلاثة، كما كانت مشاركة الفعاليات الثقافية والفنية في الحراك واحدة من القواسم المشتركة، التي سعت في أحد تجسيداتها لتحويل الحراك الشعبي إلى احتفاليات.
والاختلاف القائم في طبيعة الأنظمة الثلاثة، حيث نظام ديكتاتوري في سوريا، وشكلان لنظام ديمقراطي تمثيلي في لبنان والعراق، فإن قمع المظاهرات والاعتصامات، كان مباشراً وسريعاً وأكثر حدة في الحالة السورية، بخلاف ما ظهر في لبنان والعراق اللذين يشار فيهما إلى دور محدود للجيش وقوى الأمن، ويجري التركيز على طرف ثالث، يقوم بعمليات القمع والإرهاب ضد المتظاهرين والمعتصمين، فيشار إلى أنصار حزب الله وحركة أمل في لبنان، ويلمح إلى دور المخابرات الإيرانية وبعض ميليشياتها في العراق، ويحظى الأمر في الحالتين بتواطؤ ظاهر من جانب النظام الحاكم.
إن استمرار الحراك وتصعيده وإخراجه من دوائر التبعية في البلدين، حوله إلى ثورة عامة، ووسط فشل النظام و«الطرف الثالث» في لجم الثورة، سعى نظاما بيروت وبغداد إلى أطروحات هدفها استيعاب الثورة، فتم إطلاق أطروحات إصلاحية تحافظ على جوهر النظام ومنها محاسبة الفاسدين وتشكيل حكومة جديدة، تخلف حكومتي الحريري وعبد المهدي، وإعلان بغداد اعتزام البرلمان العراقي إطلاق مبادرة وطنية للتعاطي مع مطالبات المحتجين المطالبين برحيل الحكومة ومحاربة الفساد، ومثلها الإعلان في لبنان عن مسودة ورقة إصلاحية لرئيس الوزراء سعد الحريري بهدف تهدئة غضب الشارع ووقف الاحتجاجات، غير أن ما جرى طرحه، كان أعجز من أن يمثل استجابة لمطالب الثائرين وطموحاتهم للانعتاق من نخبة فاسدة وغير قادرة على إدارة البلاد، وإقامة نظام جديد، وقد بدا هذا النسق من تطور أحداث لبنان والعراق مختلفاً عما شهده النسق ذاته في سوريا، إذ أصر النظام فيها منذ البداية على رفض أي إجراءات إصلاحية، أو محاسبة المرتكبين من فاسدين وقتلة، وفي حالات محدودة أصدر بعض القوانين، فجاءت بعكس مطالب السوريين ومنها قانونا الإعلام ومكافحة الإرهاب.
إن مسار التوافق والافتراق في التجربة السورية مع تجربتي لبنان والعراق، أمر طبيعي، وطبيعي مثله أن يكون هناك توافقات وافتراقات بين تجربتي لبنان والعراق رغم التشابه بين البلدين والظروف المحيطة بهما ولا سيما علاقات النظام في البلدين مع نظام الملالي في إيران، وكلها بين عوامل جعلت الثورة في البلدين تأخذ اتجاهاً مختلفاَ في أمرين أولهما:
الخروج من إسار الطائفية. ففي البلدين برهنت الثورة بالوقائع والشعارات أنها خارج الاصطفافات الطائفية والدينية، وأنها بعيدة عن أطروحات الإسلام السياسي في شقيه السني والشيعي على السواء، وذهاب أطروحاتها باتجاه دولة مدنية حديثة، وبصورة عامة فقد عانى السوريون في هذا كثيرا، فدخل كثير منهم تحت تأثير عوامل محلية وإقليمية بوابة الإسلام السياسي بما فيها الجماعات الإرهابية المتطرفة والاصطفافات الطائفية، التي أساءت للثورة، وأدَّت إلى انحسارها، وعززت مواقع خصومها.
والأمر الثاني المختلف فيما تبنته الثورة في لبنان والعراق، هو الاعتراض على النفوذ والدور الإيراني المتصاعد في البلدين، وهو أمر تغاضى عنه السوريون وتجاهلوه في بداية ثورتهم، وغالباً من باب التكتيك السياسي خاصة أن إيران، لم تكن كشَّرت عن أنيابها، وأرسلت ميليشياتها وقواتها للقتال إلى جانب النظام، وإذا كان من الصحيح أن ثمة اختلافا بين تعبيرات الرفض العراقي واللبناني لإيران، حيث يذهب الأول مباشرة وبكل حدة، فيما يناور الثاني، لكنه يطرح الموضوع بشكل واضح.
تستحق دوائر التوافق والافتراق في ثورات الجيران التوقف عندها والتأمل في محتوياتها واتجاهات تطورها اللاحق، إن لم يكن من أجل ما سبق وإعادة تقييمه، فعلى الأقل من أجل ما يأتي من أحداث.

 

(الشرق الأوسط اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"