برغم الأمل باحتمال توقف الحرب التي يشنها التحالف بقيادة السعودية منذ خمس سنوات على اليمن، إلا أن عقبات صعبة قد تمنع التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار.


في الأسبوع الماضي أفرجت الرياض عن أكثر من مائة من الأسرى اليمنيين لديها، ونقلت معظمهم إلى بلادهم عبر مطار صنعاء. جاء ذلك بعد أن اتضح فشل التحالف في كسر شوكة اليمنيين، واستعصاء تحقيق انتصار حقيقي في الحرب المدمرة التي أهلكت الحرث والنسل. ولعل من أهم العقبات المتوقعة الخلاف على الحدود. وهذه مشكلة لا تنحصر بالحدود السعودية ـ اليمنية، بل إن للسعودية خلافات حدودية مع العديد من الدول المجاورة. مشكلة الحدود مع اليمن تمتد بجذورها إلى أيام الملك عبد العزيز عندما ضم مناطق يمنية إلى مملكته الحديثة التكوين، ومساحتها تفوق مساحة اليمن الحالية. ومن بين هذه المناطق أقاليم نجران وعسير وجيزان في الجنوب الغربي من المملكة. وقد وقع عبد العزيز في العام 1932 اتفاقية مع اليمن مدتها عشرون عاما، تتيح له البقاء في تلك المناطق. وكلما حل موعد إعادة النظر فيها تأزمت الأمور وحالت دون التوصل لاتفاق جديد. وقد استخدمت السعودية المال كوسيلة لمنع الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، من الإصرار على إعادة فتح الملفات الحدودية.


وفي العام 2000 تخلى صالح عن مطالبته بتلك الأقاليم، ولكن المطالبة استمرت لدى الرأي العام. وجاءت الحرب الحالية لتجدد الإصرار على استعادة تلك الأقاليم. وليس مستبعدا أن يكون الخلاف بشأنها بين الطرفين حائلا دون التوصل لاتفاق سلام شامل. مشكلة السعودية أنها أوقعت نفسها في فخ خطير بشنها الحرب، معتقدة أن بإمكانها حسمها في غضون أسابيع. وقد اتضح الآن انها تواجه مناوئا من نوع آخر، لا يسأم الحرب ولا يستسلم ولا يتنازل عن حقه.


المشاكل الحدودية في الجزيرة العربية ليست جديدة، وبرغم محاولات حلها طوال نصف القرن الماضي، إلا أنها تستعصي على ذلك. ونظرا لتعدد جيران السعودية فإن مشاكلها الحدودية أكثر من غيرها. كما أن لدى حكامها عقلية تختلف عن بقية حكام دول مجلس التعاون الأخرى، وتتميز بالرغبة في الاستحواذ وقضم أراضي الآخرين برغم المساحات الشاسعة الواقعة تحت الحكم السعودي، وأغلبها أراض خام لم يتم استثمارها أو تنقيبها أو استصلاحها. مشكلة الخلافات الحدودية أنها تتصل بمشاعر الكرامة لدى الشعوب التي تلتصق بأرضها، وتعتبر السيطرة عليها والتحكم فيها وإدارتها أحد جوانب ممارسة السيادة الوطنية. هذه المشكلة لا تنحصر بالخلاف مع اليمن، بل إنها تمثل جانبا من أزمة غير معلنة بين مصر والسعودية.


ويبدو أن من بين ثمن انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب المرحوم الدكتور محمد مرسي التنازل عن أراض مصرية للسعودية؛ ولذلك تم تسليم جزيرتي تيران وصنافير في أعلى البحر الأحمر للرياض، الأمر الذي أدى لخروج احتجاجات ضد ذلك. كما تنازل السيسي عن مساحة ألف كيلومتر مربع في سيناء لإقامة مشاريع سعودية واسعة كجزء من خطة بناء مدينة حديثة أطلق عليها «نيوم» عند تلك المنطقة. ووفقا للاتفاق، فستقوم السعودية باستصلاح تلك الأراضي وبناء الشوارع والفنادق والمنتجعات السياحية فيها. وبرغم حكم القضاء الإداري المصري العام الماضي بعدم قانونية تسليم تيران وصنافير للسعودية، إلا أن المحكمة الدستورية، بتأثير من العسكر، أبطلت في شهر آذار/مارس 2018 تلك الأحكام. مع ذلك فما يزال قطاع شعبي واسع يرفض ذلك ويعتبر تصرفات العسكر إخلالا بالسيادة الوطنية.

 

المشاكل الحدودية بين السعودية وجيرانها ستبقى مصدر قلق واضطراب في العلاقات، وستظل ذات أثر على العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي. وفي شهر تموز/يوليو الماضي ذكرت مصادر كويتية أن الكويت والمملكة العربية السعودية تقتربان من الاتفاق على إعادة إنتاج النفط من «المنطقة المقسومة»، بعد تحقيق انفراجة في محادثات تمت في الكويت آنذاك بحضور ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. ولكن اتضح لاحقا أن الجانب السعودي لم يكن مرتاحا للإصرار الكويتي على التمسك بالسيادة على مناطق جنوبي البلاد كانت جزءا مما كان يسمى «المنطقة المحايدة». وكانت الكويت قد أعدت خططا لبناء مصفاة نفطية عملاقة في المنطقة الواقعة بالقرب من منطقة الخفجي، ولكن السعودية رفضت السماح للشركات الأجنبية ببدء العمل، وبقي الإنتاج في تلك المنطقة متوقفا منذ العام 2014. والمنطقة المقسومة السعودية الكويتية، البالغة مساحتها 5770 كيلومترا مربعا على الحدود بين السعودية والكويت، تُركت غير محددة حين جرى ترسيم الحدود بموجب معاهدة «العقير» في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1922. الوضع بقي عالقا لسنوات طويلة، وبسببها تعطل إنتاج النفط من حقلي «الخفجي والوفرة» الواقعين فيها. المشكلة أن عدم ترسيم الحدود البرية بين البلدين في هذه المنطقة، يحول دون ترسيم الحدود البحرية أيضا. وبرغم رغبة كل من الكويت وإيران في ترسيم حدودهما البحرية، إلا أن هذه المشكلة تشكل عقبة أمام ذلك الترسيم.


ولدى السعودية خلاف حدودي مع دولة الإمارات العربية التي تحالفت معها في الحرب على اليمن وفي قضايا إقليمية أخرى. هذا الخلاف يعود للسنوات الأولى بعد تأسيس دولة الإمارات في 1971 بعد الانسحاب البريطاني من جميع المناطق شرقي السويس. وفي 1974 وقعت السعودية والإمارات اتفاقية حدودية عُرفت باتفاقية جدة.


نصت تلك الاتفاقية على تحديد الحدود بين البلدين، وبموجبها تنازلت السعودية عن جزء من واحة البريمي في مقابل الحصول على ساحل بطول 50 كيلومترا يفصل بين قطر والإمارات، وكذلك امتلاك حقل شيبة الذي يمتد جزء منه داخل أراضي الإمارات. كما حصلت على جزيرة الحويصات. وفي العام 1999 قاطعت الإمارات بدعم من عمان وكعلامة على الاحتجاج مؤتمر وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، الذي عقد بالتزامن مع تدشين حقل الشيبة النفطي، بذريعة أن الدولة المضيفة لا تشرك الإمارات في تقاسم عائدات النفط من هذا الحقل على الرغم من اتفاق 1974. ومع تولي ولي العهد خليفة بن زايد بعد وفاة أبيه، أثار هذه الاتفاقية بين البلدين خلال أول زيارة للرياض في كانون الأول/ديسمبر 2004، حيث تعتبر الإمارات هذه الاتفاقية ظالمة لها.


وكان الخلاف الحدودي مع قطر من بين الأسباب التي أدت لتوتر العلاقات بين الدوحة والرياض؛ فبرغم ترسيم الحدود بين البلدين في العام 1965، في أثناء الوجود البريطاني في المنطقة، ظلت الحدود غير مرسمة على الأرض بين الدولتين، وفي إافاقية سابقة قامت السعودية بالتنازل عن أجزاء من واحة البريمي للإمارات العربية المتحدة، مقابل الشريط الساحلي المعروف بخور العديد الذي أصبح بمنزلة حاجز طبيعي بين قطر والإمارات، حيث أصبح على القطريين أن يمروا بهذه المنطقة السعودية للوصول إلى الإمارات، بدلا من أن تكون هناك حدود مشتركة ومباشرة بين قطر والإمارات. شعر القطريون أنهم محاصرون بالسعودية من كل الجهات وأبدوا تذمرهم وعدم رضاهم في مناسبات عديدة. إلا أن التوتر الحدودي لم يختف تماما. ففي العام 1992 هاجمت القوات السعودية مركز الخفوس الواقع على الحدود بين البلدين، وقتل جندي سعودي وجنديان قطريان، الأمر الذي أحدث شرخا في العلاقات لم يلتئم حتى الآن. وأدى التوسع السعودي في المنطقة إلى عزل الإمارات عن قطر جغرافيا، ففي السابق كانت هناك حدود برية مشتركة بينهما، إلا أن السعودية سيطرت على المنطقة الفاصلة وكذلك على خور دويخين، وكانت لها رغبة في السيطرة على خور العديد الواقع ضمن الأراضي القطرية. هذه السيطرة نجم عنها تطورات أخرى؛ فقد كانت هناك خطة لربط الإمارات وقطر بجسر على غرار الجسر الذي يربط البحرين والسعودية، ولكن الحكومة السعودية اعترضت على هذا الجسر لسببين: الأول لأنه سيخلق اتصالا بريا مع قطر، والثاني لأن هذا الجسر يمر في مياهها الإقليمية على حسب رأيها. وصرح وزير الداخلية السعودي آنذاك الأمير نايف بن عبد العزيز، بأن الرياض احتجت لدى الإمارات وقطر بشأن مشروع جسر يربط بين الدولتين؛ لأنه يعبر فوق مياه إقليمية سعودية، وقال، «إن هذا لا يجوز ولا بد أن تكون السعودية على علم بذلك».

 

عن صحيفة القدس العربي اللندنية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"