في الخامس من أيلول (سبتمبر) الماضي تم الإعلان عن تشكيل أول حكومة بعد سقوط نظام المشير عمر البشير، ومعلوم أن جنرالات الجيش السوداني كانوا قد أعلنوا إزاحة البشير من الحكم قبلها بنحو خمسة أشهر، وبالتحديد في الحادي عشر من نيسان (أبريل)، وشكلوا مجلسا كامل العسكرة لحكم البلاد، ثم راوغوا طويلا لإزاحة قوى الحراك الشعبي التي أرغمتهم على الانقلاب على قائدهم الأعلى من المشهد، ولكنهم تراجعوا تكتيكيا عن ذلك المسعى تحت الضغط الشعبي والإفريقي (وليس العربي بأي حال من الأحوال)، ورضوا من الغنيمة بنصف مقاعد المجلس السيادي الذي يمثل رئاسة الدولة، ولكن بدون صلاحيات تنفيذية.

طوال الأشهر الخمسة التي انفرد فيها جنرالات المجلس العسكري السوداني بالسلطة، لم يبذلوا أي جهد لتغيير النظام تطبيقا لشعار الثورة التي اشتعلت في أواسط كانون الأول (ديسمبر) من عام 2018، بل اكتفوا بالإطاحة برأس النظام وتركوا النظام بكامل هياكله ينوء بكلكل على الشعب الذي انتفض لاقتلاعه، وبعد تشكيل الحكومة المدنية بموجب قسمة التراضي بين العسكر والقوى المدنية، اقتصر تطبيق شعار اجتثاث النظام على إبعاد بضعة أشخاص من الموالين لحكم البشير من مناصبهم، بينما بقيت واجهات حزب البشير الحاكم من نقابات واتحادات عمالية ومهنية تمارس نشاطها علنا.

 

بعد عام كامل من انطلاق الثورة الشعبية في السودان، وبعد أكثر من سبعة أشهر من إسقاط البشير، يبدأ إسقاط نظامه، استجابة لمطالب الثوار

ثم وفي يوم الخميس الموافق 28 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري تم اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة والوزراء، بوصفهما يتمتعان بالسلطات التشريعية إلى حين تشكيل المجلس التشريعي "الفعلي"، وأجازا قانون تفكيك دولة التمكين، والتمكين شعار رفعته حكومة البشير علنا منذ يوم استيلائها على السلطة بانقلاب عسكري في 30 حزيران (يونيو) من عام 1989، ويقضي بإسناد جميع الوظائف العليا والمهمة في البلاد لأعضاء تنظيم الجبهة الإسلامية التي نفذت الانقلاب، أو من يوالونهم.

وهكذا تم حرمان عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والعسكريين من وظائفهم، وتمكين عضوية الجبهة من مفاصل الحكم، بدرجة أن طبيبا حديث التخرج كان يشغل منصب مدير مستشفى ضخم، ويرأس فيه أستاذه الاستشاري الذي درس الطب على يديه، وبلغ الشطط في التمكين درجة العبث بالمؤهلات الأكاديمية، وتمت "دكترة وبرفسرة" المئات، أي منحهم درجات دكتور وبروفيسور بغير استحقاق، بل إن الزوجة الثانية للبشير قفزت بمؤهلاتها من الشهادة الثانوية العامة إلى الدكتوراه بـ"الزانة".

وفي ذات يوم الخميس أجاز مجلسا السيادة والوزراء إلغاء ما يسمى بقانون النظام العام الذي ابتدعه نظام البشير، والذي كانت غايته إذلال النساء بنصوصه المطاطية عن "الزي الفاضح والسلوك غير اللائق"، والخوض في أمور عبثية حول كيفية جلوس الأشخاص من الجنسين خلال حفلات الأفراح والمركبات العامة، وجعل الجلد عقوبة لمن تقع تحت طائلة ذلك القانون المعيب، وياما تعرضت نساء للمهانة بجلدهن عشوائيا في ميادين عامة.

وفي ذلك الخميس أحس الثوار الذين رابطوا في الشوارع والساحات العامة لشهور طوال، وتعرضوا للتنكيل والتقتيل بأن هبتهم أعطت أهم ثمارها، لأن قانون تفكيك دولة التمكين نص صراحة على حل حزب البشير (المؤتمر الوطني)، وجميع واجهاته من نقابات واتحادات مهنية وعمالية وشركات ومؤسسات أمنية وتجارية، مع عزل كل من شغلوا مناصب رفيعة في هياكل نظام البشير التشريعية والتنفيذية والأمنية سياسيا لعشر سنوات، لا يجوز لهم خلالها التمتع بحق الترشيح والانتخاب وشغل جنس الوظائف التي شغلوها في ظل التمكين.

 

بحل المؤتمر الوطني بموجب قانون واجب النفاذ، ستؤول آلاف المركبات ومئات الدور ومليارات الجنيهات للخزينة العامة


 
وصحيح أن المؤتمر الوطني الذي ظل البشير يحكم باسمه كان قد استحال مجرد لافتة لإضفاء قدر من الشرعية على حكم البشير، أي أن أجهزة الحزب كانت مجردة من الصلاحيات، واقتصر دورها على "مباركة" كل ما يصدر من البشير، ولكنه ظل جسما ضخما تحت تصرفه كافة موارد وخزائن البلاد، مما شجع قياداته على السلب والنهب دون خوف من حساب أو عتب، عبر واجهات وتنظيمات فرعية.

وبحل المؤتمر الوطني بموجب قانون واجب النفاذ، ستؤول آلاف المركبات ومئات الدور ومليارات الجنيهات للخزينة العامة، لأن قانون تفكيك التمكين ينص على مصادرة أصول وممتلكات الحزب وتحويلها لصالح الدولة.

وهكذا وبعد عام كامل من انطلاق الثورة الشعبية في السودان، وبعد أكثر من سبعة أشهر من إسقاط البشير، يبدأ إسقاط نظامه، استجابة لمطالب الثوار الذين لم يخفت حراكهم أو يخبو طوال تلك المدة، ويواصلون الضغط على الحكومة لتنجز الكشف عمن قتلوا الثوار منذ نيسان (أبريل) الماضي، وعلى وجه الخصوص المسؤولين عن مقتلة "القيادة العامة"، حينما هجم عساكر على ثوار كانوا يعتصمون أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني لاستكمال مهام ثورتهم، وقتلوا منهم العشرات وألقوا بجثث بعضهم في النيل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"