في الولايات المتحدة عام 1955 ركبت الخياطة روزا باركس الحافلة عائدة إلى البيت. وجدت في الحافلة مقعدا فارغا، فجلست فيه.


بعد قليل دخل راكب أبيض ووقف أمامها لتعطيه مقعدها، وذلك بموجب القانون الأمريكي، الذي كان يلزِم السود في الخمسينيات، بالتخلي عن مقاعدهم للبيض في الأماكن العامة.


قررت روزا أن تتخذ موقفا شجاعا، وهو ألا تقوم للرجل الأبيض، رغم أنها تخالف بموقفها الشجاع هذا، القانون الأمريكي الساري المفعول.


هاج الركاب البيض وأوقف السائق الأسود الغاضب (!) الحافلة. لكن روزا رفضت التحرك من مقعدها !!
بعد عدة دقائق وصلت الشرطة وألقت القبض على الخياطة الضعيفة روزا وقدمتها إلى المحكمة التي فرضت عليها غرامة مالية، رفضت دفعها فتم إيداعها في السجن.


وهنا أعلن السود الإضراب عن ركوب الحافلات. فانهارت شركات الحافلات لأن الإضراب استمر 381 يوما.
صدر قرار محكمة واشنطن العليا عام 1956، محرّما التمييز العنصري في الحافلات.


تلك الحادثة البسيطة، كانت سببا في رفع معاناة ملايين السود. فقد أسفر نضال السود المتصاعد عن صدور قانون الحريات المدنية، الذي حرّم عام 1964 التمييز على أساس العرق.


روزا باركس، امرأة واحدة بموقف وحيد، غيرت مجرى التاريخ وأسهمت في إطاحة تقاليد تمييز واضطهاد راسخة مستقرة في المجتمع الأمريكي لمئات السنين.


لقد حررت روزا أمريكا كلها، حين خلّصت شعبَها من التمييز العنصري المقيت، الذي يتعارض مع الفطرة البشرية ومع الأديان ومع الكرامة الإنسانية.


توفيت روزا عام 2005 فقال عنها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون: «من خلال العمل البسيط الذي قامت به روزا، عندما رفضت التخلي عن مقعدها، علمتنا معنى الحرية. لا تستخفوا بالقوة العجيبة الكامنة فيكم كبشر، فسوف تخرج هذه القوة وتنير العالم، فقط عندما تقرر أن تنتصر أخلاقيا».


هذه الأمثولة العظيمة، التي سجلتها عاملةُ خِياطة ضعيفة، هي برسم تأمل الرئيس الأمريكي، الذي لا يفهم دور وتأثير الطاقة الأخلاقية الكامنة في شعب فلسطين، الذي يقاتل ويناضل ويقدم بلا توقف، كواكب ومواكب الشهداء والجرحى والأسرى، منذ عشرات الأعوام من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية.

(الدستور الأردنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"