قرر الرئيس الأمريكي، في إحدى نوبات حماقاته، الاعتراف بالمستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. صحيح أن السواد الأعظم من العرب يعتبر الأرض الفلسطينية محتلةً كلها منذ عام 1948، لكن ما فعله الأحمق الأمريكي أنه تجاوز الثوابت القانونية في النزاع العربي الإسرائيلي، إذ المستقِر في القانون الدولي أن الحدود التي اغتصبتها الدولة الصهيونية عام 1967 كلها أراضٍ محتلة، سواء في الجولان أو في فلسطين، وينطبق هذا الوضع المستقر على القدس الشرقية. وقد سبق لترمب نقل سفارته إلى القدس واعتبرها عاصمة لدولة الاحتلال.

هذا السلوك الأمريكي ليس شاذا وسط نظم حاكمة متطرفة أو حمقاء أو دموية، وهذه النظم الجديدة أصبحت تتولى الحكم في مناطق عديدة ولها أهميتها في أقاليمها أو في العالم، الأمر الذي أحدث ارتباكا ملحوظا في شكل العلاقات الدولية، التي تعاني أصلا من غياب نظام يحكم العلاقات داخلها بصورة عادلة، فأضيف لغياب العدالة تولي من فسد عقله أو طبعه مصائر الخلق في بلدان مهمة أو تعاني من توترات.

القرار الأمريكي الجديد أتى ليؤكد الرسائل الضمنية المتكررة على مدار عقود من العربدة الصهيونية، والاستبداد الغربي بمقدرات العالم، وأول هذه الرسائل، أن القانون الدولي لا قيمة له إلا إذا استخدمته قوة كبرى، أما الدول الضعيفة فلا قيمة لقرارها ولا لحقوقها.

 

القرار الأمريكي الجديد أتى ليؤكد الرسائل الضمنية المتكررة على مدار عقود من العربدة الصهيونية، والاستبداد الغربي بمقدرات العالم


وثانيها، أن دولة الاحتلال تعتبر خطا أحمر في كل ما يتعلق بها، حتى لو كان سلوكها عدوانيا ووحشيا، وسواء تعلق هذا السلوك بالاعتداء على القانون الدولي أو القانون الإنساني.

وثالثها، أن الحقوق ستظل مرهونة بيد الغير إلى أن يقرر أصحابها استردادها، ولن يخوض أحد معركة لغيره، إلا إذا كانت هناك مصلحة، وأرض فلسطين (كلها) من البحر إلى النهر ليس لأحد مصلحة فيها سوى طرفي النزاع؛ نحن والصهاينة.

رُفعت أربعة شعارات لما يُسمى بـ"السلام العادل والشامل/ الحل النهائي للقضية الفلسطينية"، منذ أن قبِل العرب بوجود الكيان السرطاني الاستيطاني في المنطقة، وكانت محددات هذا التصور "قضية العودة، والقدس، والمستوطنات، والحدود". وهذه الشعارات الأربعة انتُهكت تماما. فلا توجد حدود بعد تمزيق وتشتيت المجتمع الفلسطيني جغرافيا قبل التمزّق السياسي، وتم السماح بالاستيطان في أي موضع وتهجير أهله من الفلسطينيين داخل حدود 1967، وبالطبع تم العدوان على مدينة القدس بإعلان عدة دول قبولها للقرار الصهيوني الذي جعل القدس عاصمة لدولة الاحتلال. وفي ظل هذا الوضع الذي لا تزال فيه الأرض تُغتصب وتُقتطع منها المساحات، لا يمكن للاجئ أن يعود؛ إذ من لا يزال مقيما يُطرد من أرضه.

 

لا توجد حدود بعد تمزيق وتشتيت المجتمع الفلسطيني جغرافيا قبل التمزّق السياسي، وتم السماح بالاستيطان في أي موضع وتهجير أهله من الفلسطينيين داخل حدود 1967،


نتج هذا التردي عن التسفّل في طباع قادة العرب، وعنايتهم بصيانة مواقعهم في الحكم، وكان من لوازم هذه الصيانة مراعاة المزاج الغربي في قضايا محددة، أبرزها العلاقة مع الصهاينة. وقد حدثت تحولات عديدة في المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية، كان أولها إرسال الجيوش العربية لتحريرها، ثم الاكتفاء بالعداوات الفردية مع دولة الاحتلال دون اتخاذ إجراء لتحرير فلسطين. وبعد النصر العربي الوحيد والعظيم ضد جيش دولة الاحتلال، وكسر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، دخل العرب بمبادرة من السادات "المنتصر" إلى حظيرة الوئام مع الصهاينة، ثم تبعته السعودية بما يُسمى بمبادرة السلام العربية عام 1981 التي قدمها ولي العهد (آنذاك) فهد بن عبد العزيز في قمة فاس، ثم دخل الأردن على الخط باتفاقية وادي عربة 1994، ثم تكررت مبادرة السلام العربية من السعودية كذلك عام 2002، بنفس البنود تقريبا في قمة بيروت، وتقدم بها الملك عبد الله بن عبد العزيز، وأخيرا دخلت دول الخليج العربي على خط التطبيع القذر مع إسرائيل بكل تبجح على المستويات الرياضية والثقافية والاجتماعية، وقريبا الدبلوماسية.

سبب التردي الخليجي يتعلق أولا وآخرا بحكم عصابات تتخفّى في زي رؤساء دول، خاصة حكام الإمارات الذين أصبحوا أكبر نكبة تمر على حاضر العرب قبل وبعد الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي، ويمكن عبر الاطلاع على بعض التقارير الصحفية المنشورة بيان حجم التسفّل في طبع حكام هذه الدولة، الذين يحكمون شعبا من أعذب شعوب العرب. وتشير تقارير إلى كونها محطة من محطات صفقات السلاح عبر معرض دبي للطيران الذي يُعقد حاليا هناك، كما تتحدث تقارير عن غض الطرف عن الدعارة في الدولة، رغم عدم مشروعيتها واتخاذ إجراءات بحق من يمارسها، فنحن أمام نظام يستخدم الدعارة والسلاح محاكيا لأنظمة المافيا، لكن هذا النظام للمفارقة يحوز رضا دوليا وبالتالي لديه مشروعية.

رغم هذا التيه العربي والتسفّل في نظم الحكم، فلا زال الجسم العربي العام تتعلق عينه بفلسطين، ويهفو قلبه إلى نسيمها الحر، ويرتبط وجدانه بأولى قِبلة للمسلمين. ورغم الوهن في الإرادة الشعبية العربية، فلا تزال الآمال معلقة على صلابة الشعب الفلسطيني كآخر حائط صد "منيع" أمام المخططات الصهيونية والدولية والإقليمية، رغم الوهن العربي العام. وتلك الصلابة محط ثقة حقيقية لا مجرد شعارات، فلا يزال الفلسطينيون يسطّرون أمجاد الصمود رغم كل ما يحيط بهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"