في كل يوم تونس تتغير. صحيح أن نسق التغيير لا يزال بطيئا، وصحيح أيضا أن الشعب التونسي خسر بعض مكاسبه خلال السنوات الأخيرة، خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لكن ذلك لا يبرر القول بأن الأوضاع لا تزال على ما هي عليه، وأن الدولة العميقة بقيت تتحكم بمفردها في السلطة والمجتمع.

عندما يلقي المراقب الموضوعي نظرة على المشهد السياسي، ويجد السيد راشد الغنوشي متبوئا رئاسة البرلمان؛ يدرك بأن تونس اليوم اختلفت عن تونس الأمس، وأن هذا الاختلاف لم يقتصر على الأشكال ولكنه بدأ يشمل أيضا الرموز والأفكار والقيم. هذا يعني أن موازين القوى السابقة قد تغيرت بصيغ متفاوتة تتراوح بين الكلي والجزئي، وأن ما كان ممنوعا أصبح مباحا، وما كان يعتبر أشبه بقصص الخيال العلمي أصبح أمرا يعاش وجزءا من الواقع اليومي للتونسيين.

من كان يتوقع أن يصبح الغنوشي رئيسا للبرلمان في تونس الحديثة؟ هذا الطالب الزيتوني الذي غادر تونس واستقر في سوريا ليتشبع بالفكر السلفي والإخواني ويصبح عدوا لبورقيبة ومشروعه التحديثي، يتربع اليوم بعد نصف قرن من الصراع على السلطة التشريعية في بلد يعتبره الغرب بمثابة الطفل المدلل، ويضعه في مقدمة الدول الإسلامية (إلى جانب تركيا) في مجال حقوق المرأة والانفتاح على الثقافات المعاصرة.

 

تشعر الأوساط الحديثة بخيبة قاسية، بعدما أصبحت مضطرة للنظر يوميا للشيخ وهو يقود المؤسسة الرئيسية التي تجسد سلطة الشعب، فتذكرهم هذه الصورة بانتقام التاريخ، وتؤكد لهم أن المرحلة التي كانوا ينفردون خلالها بالتوجيه السياسي والثقافي والاجتماعي تطوى الآن تدريجيا


لهذا السبب تشعر الأوساط الحديثة بخيبة قاسية، بعدما أصبحت مضطرة للنظر يوميا للشيخ وهو يقود المؤسسة الرئيسية التي تجسد سلطة الشعب، فتذكرهم هذه الصورة بانتقام التاريخ، وتؤكد لهم أن المرحلة التي كانوا ينفردون خلالها بالتوجيه السياسي والثقافي والاجتماعي تطوى الآن تدريجيا، وتستبدل بميزان قوى جديد تتعدد فيه الأصوات، ويقوم التدافع المتواصل بصياغة الوجود الجماعي لمختلف مكونات الدولة والمجتمع.

 

عجزت القوى القديمة عن المحافظة على تماسكها وهيمنتها على الفضاء العام، ولم تحافظ على احتكارها الطويل لقيادة البلد. إذ كشفت الانتخابات عن اهتزاز شرعيتها وفقدانها لمقومات الاحتفاظ بالسلطة السياسية والمعرفية، وبدا واضحا تفكك الروابط التي كانت توحد بين مختلف مكوناتها، وهو ما جعل أحد الزملاء يعتبر أن الإعلان عن وصول زعيم حركة النهضة إلى رئاسة البرلمان "يوما حزينا في تاريخ تونس"، فعكس الزميل بذلك الإحساس العميق الذي انتاب جزءا لا بأس به من النخبة التونسية؛ وهي تتابع لحظة من لحظات تداول الأيام بين الناس.

في مقابل هذا الشعور بالخيبة والألم، هللت أوساط الإسلاميين في العديد من الدول العربية والإسلامية التي رأت في ما حصل في تونس بمثابة الهدف الذي سجل في شباك العلمانيين التونسيين وغيرهم. فالصراع بين الطرفين اكتسب أبعادا مؤلمة وأحيانا تراجيدية، خاصة بعدما حصل في مصر، وتحول الصراع إلى حرب مواقع أكثر من كونه خلاف سياسي وثقافي. فانتصار الإسلاميين التونسيين اعتبره الإخوان المسلمون دعما لهم في أكثر من بلد وفي أكثر من جبهة، في حين توجس منه كثير من العلمانيين في المنطقة العربية الذين يعتقدون بأن هذا الانتصار النسبي الذي حققته النهضة قد يشكل تهديدا لهم؛ وللمكاسب والمواقع التي يهيمنون عليها ويتمتعون بها.

 

ما يُخشى في ضوء ما يجري محليا وإقليميا؛ أن الصراع العلماني الإسلامي لا يزال على أشده، وأن الدعوات التي أطلقت طيلة الخمسين سنة الماضية من أجل تقريب وجهات نظر الجبهتين لم تنجح


ما يُخشى في ضوء ما يجري محليا وإقليميا؛ أن الصراع العلماني الإسلامي لا يزال على أشده، وأن الدعوات التي أطلقت طيلة الخمسين سنة الماضية من أجل تقريب وجهات نظر الجبهتين لم تنجح، وأن المبادرات والحوارات المباشرة والصريحة التي حصلت في معظم الدول بقيت هشة وبدون نتائج ملموسة. إذ يكفي أن تنفض مجالس الحوار، وتتوفر الفرصة لهذا الطرف أو ذاك لتحقيق مصلحة ما، أو السيطرة على موقع حساس، حتى تعود الخلافات القديمة والهواجس المعبئة لمشاعر الخوف من الآخر، ورفض التنسيق معه أو تمكينه من البروز على حساب الكيانات الحزبية الصغيرة.

الديمقراطية هي القارب المشترك الذي يفترض أن يحتاجه الجميع للعبور إلى دولة المؤسسات المدعومة بإرادة شعبية واسعة. لكن بدل حماية هذا القارب من الهزات والعواصف، يسعى البعض إلى تحويل التنافس الديمقراطي إلى ساحة لتصفية الحسابات واللجوء إلى تحقيق الثارات التاريخية.

لا يعني ذلك أن التجربة التونسية أمام خطر داهم، فقبول "الجميع" بقواعد اللعبة يجعل ما تحقق قابل للصمود والثبات، لكن ما يُخشى حقا هو أن يكشف المستقبل عن تهديدات جدية. صحيح أن ما تم يدعو إلى التفاؤل، غير أن الانتقال الديمقراطي في تونس يحتاج إلى مواجهة جماعية وجدية للفساد الذي أصبح ينخر الدولة، أيضا اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية جريئة تبعد البلد عن مواقع الخطر، وترسخ آليات العمل المشترك والتخلص من عقلية أنا أو الطوفان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"