شكّل مصير المقاتلين الأجانب المعتقلين في سوريا والعراق بالإضافة إلى عائلاتهم المحتجزين في المخيمات، ممن يشتبه بانتمائهم إلى "تنظيم الدولة"، معضلة معقدة وإشكالية مركبة سياسية وقانونية وأخلاقية وإنسانية. واحتدم الجدل والخلاف منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عزمها الانسحاب من شمال شرق سوريا، وتفاقمت مع تنفيذ تركيا عملية "نبع السلام" بهدف إنشاء منطقة آمنة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وافق على العملية التركية بعد تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتولي ملف مقاتلي التنظيم. ورغم أن الجدل يتركز على المقاتلين من دول الاتحاد الأوروبي التي تتبنى نهجا متشددا إزاء عودة المقاتلين وعائلاتهم، إلا أن الإشكالية أكبر من ذلك بكثير، فالمقاتلون العرب والمسلمون وعائلاتهم لا ذكر لهم في الجدل والنقاش، وكأنهم من عالم آخر.

كان ترامب قد كتب في تغريدة على "تويتر" في 16 شباط/ فبراير الماضي أن "الولايات المتحدة تطلب من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والحلفاء الأوروبيين الآخرين؛ استعادة أكثر من 800 مقاتل من تنظيم الدولة أسرناهم في سوريا من أجل محاكمتهم"، وأضاف أن "الخلافة على وشك أن تسقط. البديل لن يكون جيدا لأننا سنضطر للإفراج عنهم". لكن الدول الأوروبية لم تستجب لطلب وتهديد ترامب، الأمر الذي دفع السلطات التركية إلى تبني استراتيجية فرض الأمر الواقع، إذ باشرت في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري بترحيل المقاتلين المفترضين لتنظيم الدولة المحتجزين لديها، حيث بدأت بترحيل اثنين أحدهما ألماني والآخر أمريكي، ثم قامت بترحيل 23 آخرين، جميعهم أوروبيون (أحدهم دنمركي، وإيرلنديان وتسعة ألمان و11 فرنسيا).

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قال: إن هناك 1201 من متشددي "داعش" محتجزون في سجون تركية، بينما أسرت أنقرة 287 متشددا في سوريا.

لا تزال دول الاتحاد الأوروبي متشددة في التعامل مع عودة المقاتلين وعائلاتهم المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة، رغم عدم وجود سياسة أوروبية موحدة حول ملف المقاتلين خصوصا، ومسألة "الإرهاب" عموما. وتتفاوت سياسات دول الاتحاد، إذ تعتير ألمانيا أكثر تساهلا مقارنة بفرنسا الأكثر تشددا. وقد احتدم الجدل والنقاش مرة أخرى عندما اجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في واشنطن، في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لمناقشة الخطوة المقبلة في مواجهة التنظيم الذي قُتل زعيمه أبو بكر البغدادي في غارة أمريكية في شمال غربي سوريا، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

لم يتوصّل وزراء خارجية الدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة إلى اتفاق حول مشكلة استقبال مواطني تلك الدول من أعضاء تنظيم الدولة. وقال وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، في كلمة ألقاها خلال افتتاح الاجتماع: "يتعين على أعضاء التحالف استعادة آلاف المقاتلين الإرهابيين الأجانب المحتجزين، ومحاسبتهم على الأعمال الوحشية التي ارتكبوها".

وقال المنسق الأمريكي لمكافحة الإرهاب ناثان سيلز في إفادة صحفية في وزارة الخارجية الأمريكية: "يجب ألا يتوقع أحد أن تحل الولايات المتحدة أو أي طرف آخر تلك المشكلة نيابة عنهم". وحذر سيلز الدول من سيولة الوضع في سوريا، بما يعني احتمال فرار مقاتلي داعش الذين تحتجزهم قوات سوريا الديمقراطية. وقال: "إنها سوريا. كلنا نعلم أن الأمور هناك قد تتغير في طرفة عين". وكشف الممثل الأمريكي الخاص في سوريا جيمس جيفري؛ عن وجود "خلاف في الرأي" بين الدول الأعضاء في التحالف الذي يقاتل داعش يتعلق، حول ما إذا كان ينبغي للدول الأصلية لمسلحي التنظيم استلام مواطنيها المحتجزين.

وقد كرر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، بعد الاجتماع، موقف بلاده بأن المقاتلين "يجب إحالتهم على العدالة بأقرب (ما يمكن) بسبب الجرائم التي اقترفوها"، في إشارة إلى عدم الرغبة في إعادتهم إلى بلادهم.

تقدم مواقف دول الاتحاد الأوروبي تجاه عودة مواطنيها من المقاتلين إلى أوطانهم، نموذجا مغايرا لقيم الديمقراطية والليبرالية والعدالة والحرية والمسؤولية التي تدعي دول الاتحاد حمايتها وصيانتها، وتكشفُ عن مفارقةٍ مقلقة، ذلك أن إعادة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم هو الحل الموضوعي وفق الأسس العملية والقانونية والأخلاقية، وذلك مقابل دول تصنف كونها أقل ديمقراطية وليبرالية تعاملت بنهج مغاير، حيث قامت كلٌّ من دولِ البلقان الغربية ودولِ وسط آسيا الوسطى؛ باستعادة مقاتليها وعائلاتهم وإعادة ادماجهم. ففي شهر آب/ أغسطس الماضي، كانت مقدونيا الشمالية واحدة من أوائل الدول التي استعادت سبعةَ "إرهابيين" مفترضين من مواطنيها، وتقوم بمحاكمتهم حاليا. ومؤخرا، أعادت كوسوفو 110 من مواطنيها من سوريا، وفي شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، استقبلت كازاخستان 47 مواطنا، ووصل عدد العائدين إلى خمسة أضعاف في الموجة التالية من الإعادة إلى الوطن، التي جرت في شهر أيار/ مايو، حيث تمت إعادة 231 مواطنا كازاخيا. وأعادت طاجكستان 84 طفلا من المعسكرات في العراق، وأعلن وزير الخارجية الطاجيكي عن سياسةٍ حكومية جديدة لإعادة المواطنين كافة من سوريا والعراق، مع إعطاء أولوية للأطفال.

في ظلِّ حالة الاستقطاب التي نعيشها اليوم، ومع تطور النقاش بشأنِ عمليات إعادة المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم، يتعيَّن على أوروبا أن تهبَّ للدفاع عن قيمها، حسب مارتا لوبيز ، منسقة شبكة المدن القوية في معهد الحوار الاستراتيجي (ISD)، وسيميون دوكيتش، كبير باحثين في المعهد ذاته، والاستفادة من النماذج الناجحة في دول العالم من أجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي، عبر حدودها.

وفي هذا الصدد، تقدِّم دولُ البلقان الغربية ووسط آسيا نموذجا للنهج البراجماتي الذي يضطلع بالمسؤولية تجاه مواطنيه، ويركز على إعادة التأهيل الاجتماعي وإعادة الإدماج. وينبغي على الدول الأوروبية التي تمتلك هياكل مؤسسية متطورة أن تأخذ بعينِ الاعتبار النموذجَ الذي تقدِّمه هذه الدولُ على مستوى السياسات، والتركيز على العمل مع الشبكات القائمة على المستوى العملياتي من أجل التعامل مع الأفراد الذين يبلغ عددهم 1,192 شخصا، الذين عادوا بالفعل إلى الاتحاد الأوروبي في أيار/ مايو 2018. وما لم تتحركِ الحكوماتُ لتصحيحِ الوضع، فإنها لن تواجه مخاطرَ أمنية مستقبلية، فحسب، بل ستثبتُ أن القيمَ التي تروِّج لها قابلةٌ للتغيير، ما يشكِّك في المفهوم الهشّ، بالفعل، للديمقراطيات الليبرالية.

لا تزال المقاربات الدولية حول "الإرهاب" تستند إلى معالجة قصيرة الأمد من خلال نموذج الحرب والعدالة الجنائية، فهي تتعامل مع مسألة المقاتلين الأجانب كإرهابيين أو باعتبارهم إرهابيين محتملين وفق منطق التجريم، مع أن الإحصاءات تشير إلى أن أغلبية المقاتلين الأجانب العائدين لا يتوفرون على نواية عدائية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالإجراءات الأمنية والقانونية وتوسيع المقاربة على المدى البعيد لتشمل إجراءات أكثر نجاعة وفق منطق السياسات الليبرالية، والتي تتضمن عمليات الاندماج الاجتماعي، والتماسك المجتمعي، والعلاقة بين الدولة والمواطن، وفق استراتيجية شمولية تكاملية. فبحسب جيل دي كيرشوف، يجب تقييم أي خطر قد يشكلوه على أساس كل حالة على حدة. فبينما يحتمل أن ينفذ قلة منهم هجوما إرهابيا، إلا أن الكثيرين قد يكونون مخذولين ويعانون من الاضطراب ما بعد الصدمة. ولربما يشعر بعضهم أنهم قد أدّوا واجبهم كمسلمين من خلال دعم "الربيع العربي"، ويحتاجون ببساطة إلى إعادة الاندماج في المجتمع.

خلاصة القول أن تعامل أوروبا مع عودة مقاتليها يشكل امتحانا أخلاقيا، فإذا أخفقت الدول الأوروبية في التعامل مع مواطنيها، فإن تنظيم الدولة سيحقق نوعا من الانتصار "الأخلاقي" مع أتباعه، وسوف يعزز مصداقية رؤيته حول وضعية المسلمين الدونية في الغرب، وأن الغرب لن يقبل أبدا المسلمين باعتبارهم آخرين وأغيار ومصدر خطر وتهديد. وسوف تترسخ المقاربة الصدامية بين الإسلام والغرب، وتزداد القناعات بأن الغرب يسعى إلى تدمير الدين الإسلامي وأسلوب الحياة الإسلامي. فالسؤال الأكثر إثارة للقلق والاستهجان ليس في تعامل دول الاتحاد الأوروبي مع المقاتلين، بل يتحدد في التعامل مع النساء والأطفال الذين عاشوا تحت حكم تنظيم الدولة ولم يشاركوا في القتال.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"