خاضت ثلاث دول، هي هولندا وكوريا والسعودية، تجربة الموت والرعب الناعم الاختياري، لكن كل على شاكلته، فالدول العلمانية التي يقلُّ فيها الإيمان، تقدمت إلى تجربة الموت مهتدية بالنصوص الإسلامية، والدولة السعودية التي تقوم على الإيمان وحماية الكعبة وجبايتها نهجت طريق الاقتداء بتجربة الضالين بالاحتفال بعيد هالوين والقرع المرعب.

جاء في الأخبار أن مؤسستين تعليميتين، واحدة غربية والأخرى شرقية، أذاقتا متطوعيهما من الطلاب بأس تجربة الموت، الأولى هي جامعة راند بود الهولندية، والثانية هي مؤسسة تربوية ونفسية في مدينة هوايون الكورية. وهي ليست الأولى من نوعها في كوريا، فهناك مدارس أكرمت طلابها بالمكوث في تابوت مدة عشر دقائق، وذلك منذ خمس سنوات. وحضّت الجامعة الهولندية راند بود طلابها على الاستلقاء عشر دقائق إلى ثلاث ساعات في قبر سميّ بقبر التطهير أو التزكية.

وقال علماء التربية إن تجربة الموت تزكّي النفس وترفع نسبة الأمل، وترفع من منسوب حب الحياة، وتُحسن الخُلق وتدفع إلى كراهية الانتحار وتحّسن هيموغلوبين المزاج. وقال مدرس جامعي من جامعة راند بود إنها مقتبسة من التراث الإسلامي التي تقوم عقيدتها على المذاكرة الدائمة تحضيرا للامتحان، وأطلق على الاختبار اسم تذكار موري.

وكان الربيع بن خيثم قد حَفر في داره قبرا، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دَخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة، ثم قال: "رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت"، ثم يقول: يا ربيع قد أُرْجِعْت فاعمل الآن قبل أن لا تَرْجِع، ولا علاقة للمملكة العربية السعودية في "نيو تيستمينت"، العهد الجديد، عهد القرع، بتبني عيد هالوين وكائنات الزومبي وأكلة اللحوم الآدمية وإن وافقتها بالزمان، غاية عهد القرع نقيض غايات هولندا وكوريا، وهي لوبياء الترفيه وليس التقوى والعظة، فشعب السعودية يعيش في صوبا حرارية سياسية ودينية.

وقد خاض كاتب هذه السطور تجربة تذكار موري بغير سيف ولا ركاب، فأُلحد عشرين دقيقة في تابوت الرنين المغناطيسي، وقالت له المشرفة الحسناء، بعد تجربة القبر الضيق الخالي من الشجاع الأقرع، الذي لا صوت فيه سوى أصوات المطارق كأنه القبر: أنت شجاع، فكثيرون يضغطون جرس النجدة ويستغيثون من الدقيقة الأولى. وهي بالتأكيد أشق من تجربة الاستلقاء في حفرة مثل حفرة جامعة راند بود في الهواء الطلق تحت الشمس الساطعة أو المكوث في تابوت في قاعة الدرس مع الزملاء والزميلات في مدينة هوايون، أو تجربة الربيع بن خيثم. وكان كاتب السطور وهو يدخل القبر حزيناً، ليس لأنه سيخوض تجربة الموت، بل لأنه ترك المشرفة الجميلة وحدها في الحياة الدنيا وذهب إلى الآخرة، ولم يكن يليق بها دور الزبانية، ولم يشرح لها سبب شجاعته. كان يخضع بشكل دوري لتجربة الموت الجزئي في فروع الأمن السوري بسبب مقالات عن السينما والمسرح الذي يقدسه أدونيس. ماركيز يقول: كل خوف هو خوف من الموت. لقد كان بطلا دائما، غير أن الحسناء بخلت عليه بجائزة العناق.

ويعتبر كثيرون عمرو خالد من طلائع دعاة الترغيب لا الترهيب الذي كان سائداً في منابر المساجد، فالخطباء الكرام أحسن الله إليهم، كانوا يخوِّفون المؤمنين من عذاب القبر ويوم الحساب، وكانوا صالحين أو أقل فساداً من هؤلاء الذين لا يعرفون الموت إلا من تجربة عادل إمام وهو يقول لمعلمته: شفتيني وأنا ميت؟ نسيان الموت سبب انتشار الفساد في الشعب والسلطان، وضياع الحقوق وفساد القضاء. والعربي لا يرعوي إلا إذا خاف الله، وتقول التجربتان الهولندية والكورية: الهولندي والكوري أيضاً لا يرعويان إلا بالموت.

وتحضُّ السنّة النبوية على الإكثار من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وهناك كتب ومصنفات إسلامية في الاتّعاظ من الموت، والسير في الجنائز وزيارة القبور، مثل كتاب "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي، وكتاب "من عاش بعد الموت" لابن أبي الدنيا، وكتاب "شرح الصدور بذكر أحوال الموتى وأمور القبور" للسيوطي. وللسيوطي كتب عدة في الموت، مثل "بشرة الكئيب ولقاء الحبيب"، و"الفوز العظيم بلقاء الكريم"، وغيرها كثير.

ولا يخلو مصنف إسلامي من ذكر الموت الذي أكرم الله به الإنسان، فلو خَلُد البشر ما وجد الإنسان في كوكب الأرض موطئ قدم، ولكنا نسمع صوت حافظ أسد المنكر إلى هذه اللحظة التاريخية، وحكوماتنا العربية تتجنب ذكر الموت في إعلامها وبرامجها، وتكثر من برامج الإضحاك من أجل تسلية الرعية عن الرعب الذي تبثه لها في الشارع ولإشعارها بالسعادة والسرور، وإيهامها بأنها تعيش في دولة السيد الرئيس الآمنة المستقرة التي لا تخاف فيها الرعية سوى من كلاب الراعي.

والمصريون بعامة مؤمنون، وإذا ألحدوا فإلحادهم إيجابي، فهو نفسي أو سياسي وسببه الإحباط واليأس، وهو مشوب بالإيمان، ولذلك جنّد النظام المصري إعلامه حتى يشنُّ حرباً على العقائد الإسلامية بعد أن تولى السيسي سدّة الحكم، وسفّه أعلامها المعاصرين والسالفين، أمثال عمرو بن العاص والبخاري وخالد بن الوليد من القدماء، والشعراوي من المعاصرين.

وكان من ذلك إنكار الاعلام المصري عذاب القبر، الذي بدأه إبراهيم عيسى وثنى عليه يوسف زيدان. ويبدو السيسي مؤمناً، وعلامة إيمانه زبيبة جبينه التي تظهر وتختفي حسب الطقس وأحوال الجو. وإيمانه يختلف عن إيمان عامة المصريين، ولا بد من الإقرار بأنه شجاع أقرع لا يخاف الله ولا يخاف عذاب القبر، ولا نظن أنه لو خاض تجربة تذكار موري لشهد خُلقه تحسناً ملحوظاً، فهو ميؤوس منه، فهو من الذين ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وهو يكرر في خطبه العرجاء أنه مستعد للحساب يوم القيامة، وليس حساب البرلمان ولا حساب الشعب كما يحدث في قواعد السياسة والحكم والقانون. وسبب ذلك أنه من عائلة غنية كما صرّح مرة وله قدرة على الدفع.

إيمان المصري عميق وراسخ، فهو مؤمن بالفطرة والعادة والتاريخ. يروي مصطفى محمود عن المغني والملحن محمد عبد الوهاب أنه كان يبكي كلما ذكر الموت هيبة وخشوعاً، وكان يؤمن بأنه مصيره إلى الجنة، فيقول له مصطفى محمود واعظاً: لمَ تحسن الظن بأنك من أهل الجنة وأنت تعيش عيشة مرفهة وتساوي نفسك بالمؤمن التقي العابد الفقير، فيبكي من الخشية. ويظهر الإيمان حتى على ملحديهم أو من في حكمهم، مثل المذيع العابد للنظام الموحد للسيسي إبراهيم عيسى الذي نشر تغريدة عن توحيد أخناتون للإلهة، فهو موّحد لكنه يكره التوحيد الإسلامي لأنه من أركان الإيمان، الإيمان بيوم الدين، فيوم دين الفرعون غير يوم دين المسلم.

الموت أحد أسباب الإلحاد، فالملحد لا يريد دفع الحساب؛، لأن الحساب كبير، فإما جنة وإما نار. وقد استبدل منكرو الحساب عبارة السلام لروحه برحمه الله، وهي تخفي بعض الإيمان، فهم ما يزالون يؤمنون بالروح والسلام والحرب على الروح وعلى الشعب، ولا يشرحون لنا كيف تهدأ الروح وكيف تضطرب وتتعذب. ويختلف الإلحاد السوري عن الإلحاد المصري، فأغلب الظن أن حكّام سوريا يؤمنون بالتقمص والتناسخ ولا يهابون الموت. لذلك هم يرتكبون كل هذا الفظائع، وتأويل التناسخ عندنا هو إنكار الموت، وأن الروح لا تذهب إلى اليوم الآخر، بل هي تجول وتدور في الدنيا بين الكائنات في دورات ومدارات مثل الموظف الحكومي، فالإنسان بعد موته ينتسخ في روح أخرى؛ حمامة، أو ذبابة، أو حمار.. حسب صنيعه، وكأنَّ أصحاب عقيدة التناسخ يهربون من الحساب حتى لو مسخوا قروداً أو حشرات.

قبل عشر سنوات أو أكثر بقليل نُشرتْ رسالة الكاتب التركي عزيز نسين في كتاب الصف العاشر في المنهاج السوري، وكان قد كتبها مقدمة لكتابه "مختارات قصصية" الصادر عن وزارة الثقافة، أرسلها إلى الموت وتحداه وسخر منه، وهي رسالة6 طريفة تمجّد في ظاهرها الحياة، وتنكر في باطنها البعث والحساب، وقد أعجبتْ النظام السوري وواضعي مناهجه الدراسية، وغرضهم من نشر الرسالة ليس جعل السوري حراً شجاعاً مثل الأمريكي، والأمريكي أكثر الناس رعباً من الأشباح وأبطال أفلام الرعب، وإنما جعل خوف الشعب السوري وجيله الجديد قاصرا على كلاب الراعي. الغرض هو توحيد الإله السياسي.

وكان حرياً بهم نشر رسالة إلى السيد الرئيس يحذرونه فيها من الموت ويوم الحساب ما دام الحساب الأرضي مستحيلاً، وكان البطلان اللامعان باسم ورباب في كتب التلاميذ قد ظهرا بعد استتباب الحركة التصحيحية الاستعمارية التي نكلت بسوريا شعباً ووطناً، وصارا رائدين أرضيين، يعبران الطريق بعد ظهور الإشارة الخضراء، ويحبّان والدهما الذي يرتدي بدلة غربية، وأمهما ذات التنورة القصيرة، ويحتفلان بالربيع، وبأعياد الوطن، ولا يعرفان الموت، وأغلب الظن أنهما ملحدان سلبيان. وقد قُتل جيل باسم ورباب أو نزح؛ لأنه لم يقف على إشارة النظام الحمراء. أما المناهج قبل الحركة التصحيحية فكانت توازن بين الإيمان واللاأدرية، فتجد نصاً لحافظ إبراهيم عن أمانة عمر بن الخطاب، ونصاً بوهيمياً للشاعر البوهيمي سليمان عواد.

الحكومات العربية لن تزكّي تجربة كوريا وهولندا، وكلاهما دولتان رائدتان في العلوم ومستوى العيش. والدول العربية التي تسوء فيها الخدمات سوى خدمة التعذيب والإذلال، لا تكفُّ عن القتل بالمفرّق والجملة، حتى يتعظ الشعب ويحذر من الحرية.

نحن سكان دول" الكمونديث"، أي دول الموت العام والقتل الزؤام، وهي غير دول رابطة دول الاستعمار البريطاني الكومنولث التي ترنو إلى حكم القانون والحكم الصالح وحقوق الإنسان، لا حاجة بنا إلى تجربة الموت عشر دقائق في قبر، فنحن نتحّسر على قبر نسكنه في الحياة أو نوارى فيه بعد الموت، ولا نجده في هذا الوطن المعطاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"