(1)
أنظر إلى السيسي.. يا له من "دكر" رياضي مقدام..

(1+)
إنه نشيط بالفعل.. نشيط جداً، يستيقظ مبكرا، يطالع الكثير من الأوراق والتقارير والميزانيات وشروط القروض، يتصفح الأخبار، يجري الكثير من الاتصالات، يتأنق وينظر طويلا في المرآة ممتدحا عظمة صورته وعزم شخصيته، ثم يخرج في موكب محصن يليق بالأفذاذ المستهدفين من قوى الشر، ليتابع الكثير من المشاريع والمرؤسين المطيعين بخوف.

(2)
أنظر إلى السيسي.. يا له من قائد عضوي ميداني حكيم..

(2+)
إنه حاضر دوماً.. حاضر بشدة، مزعج للكسالى والفاسدين، يتحرك في كل مكان بدأب، يشيّد المشاريع العملاقة ويفتتح المراحل التي اكتملت، ويبدي الكثير من الملاحظات التي يتصورها المستمعون أنها تافهة وبلا قيمة، لكنها رسالة لهم وللآخرين بأنه يقظ ويتدخل في كل التفاصيل بنفسه.

(3)
أنظر إلى السيسي.. يا له من قائد دولة نزيه، يكرس المساواة ويحارب التمييز..

(3+)
إنه لا يفرق بين مواطن ومواطن، بين حزب وحزب، بين أيديولوجيا وأيديولوجيا، بين مدرسة وسجن، بين برلمان وماخور، بين دين وآخر، فكل المواطنين والأحزاب والأفكار والمؤسسات والأديان عنده سواء.. مجرد مواد خام لاستخدامه الشخصي.. إما تخضع لرؤيته العصماء، وإما تتعفن وراء الجدران المظلمة في سجون الهلاك التي  يتساوى فيها الجميع.

(4)
أنظر إلى السيسي.. يا له من مخترع رائد يدشن عصر صناعة الدول الجديدة والديمقراطيات الجديدة..

(4+)
إنه يدعو الناس للكلام، لكن إلى نوع محدد من الكلام لا يخرج عن ترديد وتكرار ما يصرح به هو، وما يمدح في عظمته وإنجازاته.

إنه يدعو إلى حق المعرفة، لكن معرفة ما يقرره ويقدره، واعتبار كل ما عدا ذلك مجرد شائعات وحروبا ضد الدولة، بل ضد الله من الفئات الضالة مسحورة العيون.

إنه يدعو الشعب إلى الوعي، لكن الوعي بمعجزاته، والإشادة بقدراته الفائقة، واستقاء الوعي من أصنام الدولة المهابة.

(5)
أنظر إلى السيسي.. يا له من تاجر شاطر..

(5+)
إنه يفاوض بمهارة، يبرم الصفقات الناجحة (لا فرق عنده بين أرض وغاز وماء وبشر)، يتفوق في البيع والشراء ويهتم بتحويل كل شيء إلى سلعة، حتى أنه فكر يوما في بيع نفسه، لكننا لم نعلم بوضوح إن كان قد أبرم تلك الصفقة أم أنه اكتفى بالإيجار، وربما  بحق الانتفاع (أي يدفع مستخدمه مبلغا مقطوعا مقابل استخدامه لفترة معينة).

(6)
أنظر إلى السيسي.. يا له من طبيب خبير وجريء..

(6+)
إنه يشق البطون، ويفتح الصدور، ويبتر الأعضاء، ويكوي بالنار..
.....
...
.

(0)
أنظر إلى هذا المقال.. يا له من مقال كاذب..

(0+)
إنه احتيالي هارب، وربما تهكمي ساخر، ينظر إلى واقعنا بمرارة هزلية سوداء، وفي الحالين تجب صياغته بطريقة أوضح. ولأن المساحة قد لا تسمح بإطالة تفصيلية لكل ما ذكرناه في الفقرات السابقة، فمن العملي والعلمي أن نتشارك في الكتابة وفي تصحيح الصورة، فالأعمال الجيدة لا ينبغي أن يقوم بها فرد واحد، وهذه القاعدة مفيدة للكتابة وللفهم، كما هي مفيدة للسياسة وللحكم، وللحياة نفسها.

وانطلاقا من هذا العقد التشاركي، سأهتم بمعالجة الفكرة الأخيرة في الفقرة الأخيرة من المقال.. "فكرة الكي".. فكرة استخدام النار في العلاج إذا فشلت المداواة بالطب الرحيم، وهي الفكرة التي يستخدمها السيسي لعلاج الدولة المصرية بالنار، من أجل تأمينها من الأمراض المهلكة التي تهاجمها..!

(1)
لن أبدأ بمعارضة ولا هجوم على نوايا السيسي وأسوبه في العلاج، بالعكس، سأبدأ بالاعتراف بسلامة الفكرة وتأييد الأسلوب ودعمه، فإذا استعصى العلاج فلا مهرب من الكي، لكنه كما يعرف فخامته، وكما نعرف جميعا: "آخر العلاج".

والأهم أن يكون استخدام النار للعلاج وليس للحرق أو التعذيب من غير ضمان نتيجة مجربة للعلاج بالكي، وهذا هو الفارق بين العلم والدجل، فليس كل من يستخدم الأدوات الحادة جراحا يحق له أن يقطع في لحم الناس بغير علم وتجارب سابقة مضمونة النتائج، وليس كل من يستخدم النار معالجا بالكي، فقد يكون جلادا او مشعل حرائق.

(2)
هذا المدخل يدفعنا للتساؤل عن قضية "الدولة القوية" و"السلطة المهابة"، ولا أظن أن مصرياً من أي ثقافة ومن أي فئة يرفض أن تكون بلده قوية، وأن تكون قيادات بلاده محل احترام وتقدير ومهابة من جميع دول العالم، لكن السؤال الدائري الذي يقودنا دائما إلى المتاهات برغم بساطته وقلة عدد كلماته:

هل "القوة الغاشمة" هي السبيل الوحيد والمضمون لتحقيق ذلك الهدف؟

(3)
لن أسأل الرئيس الدكر الفيلسوف عن مصير "خطاب القوة" الذي استخدمه صدام حسين لمواجهة المؤامرة الأمريكية بتعاون إقليمي حقير وجاهل، ولن أسخر من مقولة: "انتحار المغول على أسوار بغداد"، لأنفهم لم يفعلوا ذلك حقا.. في التاريخ ولا في الحاضر، ولن أستعيد مواعظ الأقدمين عن نهاية بيروس الأيبيري أو أدولف هتلر أو ابن لادن والزرقاوي والبغدادي، وخط الصعيد الجديد الذي قتلته الشرطة المصرية قبل أيام.. فقط  سأنبه السيسي إلى خطورة النار التي يستخدمها بجهل فتحرقه كما أحرقت بلاده.

(4)
وأبدا بتحذير السيسي من خطورة التناقض الشديد بين تكوين التاجر وتكوين المقاتل، كلاهما نقيض للآخر، وإذا اجتمعا فإن هذا نذير لعنة ستحرقهما معا. فالتاجر يهتم بالأسواق ورغبة الناس في الاستهلاك ومظاهرة الدعة والأمن، وهو باختزال مخل حسب نظرة زومبارت وشبنجلر ومفكرين ألمان آخرين: ينشد المال، ولا تعنيه في سبيل ذلك أخلاق ولا ثقافة.. يعنيه الاستهلاك والربح وامتصاص الأموال من جيوب الناس، فالتاجر لا ينظر للفرد كإنسان، بل ينظر إليه كزبون نحصل منه على المال، وهو ما يمارسه السيسي بإخلاص منطلقا من خبرة التربية العائلية.

في المقابل، يحلو للسيسي أن يحدثنا عن الوطن بطريقة ألماني رومانتيكي آخر هو "توماس ابت"، فيلسوف القرن الـ18 الذي عرفه العالم بمقاله الشهير "الموت فداء للوطن"، وهو الطريق الذي سلكه بلدياته "ارنست يونجر" الذي جمع بين نظرة توماس ابت الشاعرية للتضحية العسكرية من أجل الوطن، وبين ممارسة ذلك فعليا من خلال قتاله بنفسه في حروب لانجمارك، والمؤسف ان النزعة الرومانتيكية للفداء والحرب بالنفس من أجل الوطن، سرعان ما خرجت من الفضاء المعنوي الناعم على ممارسات القوة العسكرية التي تبناها الحزب النازي، فانهارت أحلام التجار بسبب مغامرات فرسان القوة الغاشمة، وهو ما هجاه زومبارت بتشريح تحذيري مسبق في كتابه المثير للاهتمام "تجار ومقاتلون" أو "تجار وأبطال"!

(5)
السيسي يمسك بسيف راجح قاتل صديقه، ويوهمنا بأنه جراح يعالج ضحاياه.. السيسي يمسك بالنار ويحرق كل ما يطوله ويعذب كل من يقع تحت يده، ثم يوهمنا بأنه يبني ويعالج بالكي.. السيسي يريد أن يكون تاجرا ثريا يجمع الفكة و"المجمد" من جيوب الزبائن، فيشيد الأسواق وينشر الأمن ويروج للاستهلاك والرواج، بينما هو كمحارب ينشر الخوف ويدمر البيوت ويخلي سكانها ويبالغ في الحديث عن الإرهاب. السيسي المقاتل حائر بين ملابس التاجر وملابس المقاتل، مشتت بين هوس التاجر ببناء القصور الفخمة والمولات وشق الطرق وتشجيع الاستثمار، وبين هوس المقاتل بأهمية الحصون الخفية والأكمنة والخنادق وجبهات القتال، حتى أنه يسعى لتحويل الوطن كله إلى معسكر كبير، أو دمج المقاتل مع التاجر في مسخ مخيف، حيث يتم طرح المقاتل في البورصة لنحصل في نهاية التجميع الفرانكنشتايني على تاجر ببندقية، أو على شركة مسلحة مساهمة مصرية.

(6)
أختتم هذا المقال الاستفساري بسؤال حميد أنصح السيسي أن يفكر فيه:

من أنت يا عبد الفتاح؟

تاجر أم مقاتل؟

إن كنت مقاتلا، فقتالك ليس مع الشعب، ليس مع أصحاب الأرض والحق، قتالك مع أعداء تصافحهم بمودة، وتصادقهم بمذلة، وتتبادل معهم المنافع المريبة على حساب أمننا وأمن بلادنا.

وإن كنت تاجراً، فإن تجارتك ليست في أرضنا ولا في عرضنا ولا في حياتنا وحياة أولادنا.. اذهب إلى بازار الوالد، مارس هوايتك في السمسرة وجمع الأموال، وأرنا كم تربح بالحلال من جهدك الشخصي ومن أفكارك النورانية العظيمة.

انتهى

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"