(1) 
بعد اتصال مقتضب اتفقنا على موعد، واقترحت هي مكانا بالقرب من مسكني، وفي نهاية اللقاء قالت عندي سؤال لا بد منه ومن حق ألا تجيب: لماذا لم تدعُني إلى بيتك منذ تعرفنا قبل أشهر طويلة؟ الحقيقة أنني كنت أتوقع الدعوة في كل مرة نلتقي لكنك لم تفعل ذلك أبدا، ومع الوقت شغلني هذا السؤال حتى تحول إلى هاجس مزعج، فقررت أن أتخلص منه وأطرحه عليك، ليس لأحرجك فتدعوني، ولكن فقط لأنهي الدهشة التي تكبر بداخلي.

(2)
لم أنزعج، ولم أرفع عيني لأنظر في وجهها، فقط قلت بلغة تقريرية جافة وباردة: لأنني أعيش في برميل.

(3)
لم أتعرف على تعبيرات وجهها، فقط شعرت بحضور الصمت، وصوت انشطار السؤال إلى أسئلة كثيرة مدفوعة بالدهشة، فأكملت بعد وقت قصير ما يصلح كإجابة وتفسير عام للسؤال نفسه الذي أسمعه من مقربين أو أشعر به في ثنايا ملاحظاتهم أو أقرأه في العيون. وأعتقد أن المتابع لحياتي وكتاباتي قد يجد جذورا عميقة لهذا التصرفات الاعتزالية، التي يعتبرها البعض مسحة تنسك، ويعترها آخرون ترفعا او عيبا اجتماعيا، ويعتبرها غيرهم اقتصارا مطلوبا لتجنب مخاطر الاندماج في مرحلة الأشواك والأوبئة، لكن الحقيقة التي كتبتها مرارا من قبل أنني لا أتجنب المرحلة، بالعكس.. أعاني من أعراض التماهي معها، والمتماهي يا أصدقاء لا يملك أن ينعزل، لأنه متماهٍ، لأنه هو الشيء نفسه الذي يتصور الناس أنه يبتعد عنه، لذلك فأنا لا أناضل من أجل الوطن.. لأنني الوطن، ولا أناصر الفقراء.. بل أعيش فقرهم وحياتهم، ولا أتضامن مع السجناء.. لأنني سجين مثلهم وأكثرهم.. سجين بمعنى الكلمة: كلمتي مقيدة، ولقاءاتي مشروطة، وحركتي محدودة بمساحة الزنزانة التي أعيش فيها، وهي لا تزيد عن مساحة برميل، أما لماذا برميل؟.. فهذا ما يمكن أن أحكي لكم عنه في هذه الفسحة من وقت الزيارة:

(4)
قبل ثلاثة أعوام تقريبا، كانت مصر قد دخلت زنزانتها بتهم تتوزع بين القتل والجنون، وكنت أرى بلدي يختنق في براميل الموت، وكانت الحياة خارج البراميل تمضي في فسطاطين: الأول يتحرك في ممرات محوكمة بأسوار الحديد والأسلاك الشائكة، كتلك التي مات فيها مشجعو كرة القدم في ملعب الدفاع الجوي، والثاني يتحرك ذليلا ومنكسرا في ممرات الهروب الآمن، ليبحث عن "برميل اختياري" يعيش فيه، بدلا من الحياة الميتة في براميل القتل القانوني داخل السجون. وفي تلك الفترة كتبت عدة مقالات عن قصة تشيكوف المعنونة: "ماساة العنبر رقم 6" والتي حمل أحدها عنوان "الحياة في برميل"، وفيه يعرف الطبيب أن مريضه المجنون الحبيس مثقف درس في الجامعة وقرأ مئات الكتب، فقال له: أنت إنسان مفكر وعميق الرؤية يا إيفان، وبهذه الثقافة تستطيع أن تجد السكينة في نفسك، فلماذا لا تبتعد طائعا عن سخافات الدنيا الحمقاء؟.. بوسعك أن تعيش سعيدا حتى وراء القضبان وطبقات الجدران.. ألا تعرف أن ديوجين عاش في برميل، وكان أسعد من كل قياصرة العالم؟!

(5)
رد إيفان متجهما: ديوجينك هذا أحمق.. لماذا تحدثني عن ديوجين وتدعوني للحياة في برميل؟، إنني أحب الحياة.. أحبها بصدق وشغف، وعندي عقدة من الاضطهاد، وأعاني من شعور دائم بالخوف، وهذا ما يقربني من الجنون.. لأنني أرغب في الحياة.. آآآه كم أود أن أعيش... أريد أن أعيش.

(6)
صرخة إيفان أفزعتني، لكنني لم أتصور أن أعيش حرا، وأشعر بالسعادة، وأنطلق في فضاءات الأحلام، بعدما رأيت وطنا بالكامل يقبع في زنازين حقيرة من البراميل الخانقة، المتماهي يا أصدقاء هو ما يرى، هو ما ينتمي إليه، هو الآخر، فكيف أكون غير ما يكون الناس، كيف أشعر بأمان أو سعادة أو حرية يفتقدها أهلي ويفتقر إليها وطني؟ فلم يكن أمامي إلا أن أختار طريقة حياة ديوجين، لكي أشعر أكثر بمطالب وحياة إيفان. فإيفان يريد أن يحلم بحياته الفردية، وديوجين يؤمن بأن الفضيلة هي الإحساس بحياة الآخرين، لذلك كان يحمل مصباحه ويمشي تحت ضوء الشمس يفتش في الطرقات عن الشيء المفقود والضائع، ولما اندهش الناس وسألوه مندهشين (كصديقتي): عما تفتش يا ديوجين؟ قال: أبحث عن الإنسان الحر.. أبحث عن الإنسان السعيد..

(7)
لماذا لا تبتسم وتعيش، لا سيما وأن حياتك في برميل لن تسعد الناس؟ لماذا لا تسعد أنت، وللناس رب؟

سألتني الصديقة ضمن أسئلة فرعية كثيرة، ولما كانت أجنبية لا تعرف نشيد الخبز والورد لجوزيف حرب، ولا قصائد درويش وصلاح جاهين عن القمح والفلاحين والورد والسنابل، فقد حدثتها عن إيلوار ونيردودا وسؤال الكتابة عن الوردة أم القتيل، وعن سعادة ديوجين في التخلي ليصير من الناس، وليس غيرهم أو حتى مثلهم.. لقد أراد أن يتماهى معهم فيكون هوَ.. هُم. 

(8)
انزعجت الصديقة وقالت ما يعني: هذه فلسفة فارغة، أنت مسؤول عن حياتك وفقط.. فكر بطريقة عملية أكثر.


قلت: إيفان سأل طبيبه المتعاطف نفس سؤالك وسؤال لينين: ما العمل؟.. أليس هناك سبيلٌ للخروج من هذا السجن الخانق؟

وقد تأثر الطبيب حقاً بسؤال مريضه المثقف، فجلس بجواره كصديق وقال له بهدوء وصدق: أول إجابة خطرت في ذهني هي أن تهرب إلى الحرية، لكن سرعان ما انتبهت أنهم في الخارج لن يتركوك، سوف يمسكون بك ويعيدونك إلى سجن أسوأ، وذلك كله باسم حماية المجتمع من المجرمين والمجانين، والأشخاص المعارضين لهم عموما، لذلك لن يبقى أمامك إلا اختيار وحيد، وهو أن تهدأ وتقتنع بأن حياتك في البرميل أمر طبيعي وضروري.

(9)
رد إيفان: هل تعلم أيها الطبيب أن أولئك الذين تتحدث عنهم، وأنت، والمشرف، والحارس الفظ هذا، وكل من يتعلل بحماية نفسه منا، كلكم أدنى من أي واحد فينا، على الأقل من الناحية الأخلاقية، فلماذا نهدر عمرنا نحن داخل هذه القبور، بينما يعيش الفاسدون وتعيشون أنتم.. أحرارا؟

بعد لحظة صمت نهض إيفان من مكانه وفي عينيه وميض مشرق، فتح يديه بحركة مسرحية باتجاه النافذة الصغيرة المغلقة بالقضبان وقال بأداء خطابي مؤثر: أيها الفقراء الأشقياء، إنني أبارككم من وراء هذه القضبان.. يحيا الحق.. يحيا العدل.. تحيا الحرية.

عاد إيفان للجلوس داخل برميله وقال برضا: إنني أشعر الآن بالسعادة.. لقد أسعدتني هذه الفكرة.

(-)
لم تقتنع الصديقة بتبريراتي، واعتبرتها نوعا من العقاب التسلطي للذات، ونصحتني بالعلاج خوفا من تتحول الحالة إلى درجة من المازوكية والرغبة في إيذاء النفس، ويبدو أنها انشغلت بالقراءة عن ديوجين، فهاتفتني قبل أيام لتقول لي إن ديوجين كان واقعيا أكثر مني، وأنه ذات مرة هاجم علماء عصره المنشغلين بما وراء الطبيعة وعلوم الفلك، وقال لأحدهم ساخرا: لماذا تشغل الناس بحديثك التافه عن الأجرام والكواكب؟ هل هبطت علينا من السماء لتحدقنا عن حياتك هناك؟ إن هؤلاء الناس يحتاجون لفهم ما تحت أقدامهم فلا تشغلهم بحديثك عن السماوات البعيدة.

قلت لها مازحا: يقال إن ديوجين لم يكتف بالحياة في البرميل، بل قرر ذات يوم أن يمنع نفسه من التنفس، لأنه لم يجد ذلك الإنسان العادل الحر السعيد الذي كان يفتش عنه، لكنني لن افعل مثله ولن أنتهي نهايته، لأنني أؤمن بالحياة وبابوجود هذا الغنسان، وسوف استمر في البحث عنه حاملا مصباحي ومكتفيا بحياة تشبه حياة الناي، ولا تنشد النجاة الفردية، فإما أن نخرج جميعا من البرميل، وإما أن أستمر معهم أعيش في برميل..

ولا يزال الحوار مستمرا..

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"