مثّلت تظاهرات الجمعة 20 أيلول/ سبتمبر، نقلة في الصراع بين سعي المجتمع المصري نحو الديمقراطية؛ وبين الاستبداد السياسي. فبعدما رسخ النظام الحالي مشاعر الخوف من القتل أو الاعتقال أو مصادرة الأموال، تسببت مجموعة فيديوهات في إعطاء شرارة بدء تصدع جدران الخوف، وصنم الرئيس الذي يؤكد على إخلاصه وأمانته وشرفه.. لكن يبقى التساؤل عن مآلات الحراك الذي بدأ.

كانت انطلاقة الاحتجاج باعثة إلى التأمل، كما كان رد فعل النظام السياسي بعدها مؤشرا على حجم انفعاله وربما ارتباكه من استجابة مجموعات لدعوة شخص مغمور، فقام بحملة اعتقالات طالت الآلاف، ووثّق المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2865 حالة تم عرضها على النيابة منذ 20 أيلول/ سبتمبر حتى مساء 5 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، كما قام النظام بإجراءات أمنية شديدة، بلغت حد تفتيش الهواتف المحمولة للمواطنين بالشوارع.

إحدى الإشكاليات الأساسية التي أعاقت حدوث ائتلاف وتقارب بين التنظيمات السياسية، كانت مرحلة ما بعد التغيير، وكان التساؤل: كيف ستشتبك التنظيمات مع الاستحقاقات الانتخابية؟ في ظل وجود مخاوف من عودة الإخوان إلى الحكم، ووجود رفض من الإخوان لوجود من شارك في الانقلاب عليهم من القوى السياسية في الحكم، وهو وضع يناسبه تشبيه "غنّوشي" تونس، بأنه "صراع على كرسي في سفينة غارقة"، وكان الأولى صرف الجهود إلى إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية في تحديد من يحكم، خاصة أن التنظيمات السياسية هي الرافعة الشعبية لأي حراك، ولا يمكن نجاح حراك دون تنظيم.

في هذا السياق وضع "علي" تصورات يمكن وصفها بالساذجة عن شكل حكم مصر، كاختيار 50 فردا من كل محافظة لمناقشة الوضع في مصر، لكن ربما تكون هذه السذاجة مقصودة ليوحي إلى أنصاره أنها جهود فردية تخصه فقط، لكن ما لا تخطئه العين، أن هناك رسائل سياسية عديدة "واعية" تهدف إلى رسم مسار عام للحياة المصرية في حالة إزاحة السيسي. وأكثر الرسائل تكرارا ما يتعلق بعدم الحَجْر على الاختيار الشعبي، سواء اختار الإسلاميين أو العلمانيين أو العسكريين، كما يدعو لابتعاد علماء الدين عن السياسة. ثم هناك رسالة أخرى تتعلق بالتصالح مع الجميع وعدم الرغبة في الانتقام، وتأكيده على أن المصريين هم من صنعوا الحراك وليس محمد علي أو أي حزب آخر، كما يُصر على تحميل فترة السنوات الست الماضية لعبد الفتاح السيسي فقط. فهذه الرسائل الأساسية وضعت تصورا عاما للحراك وغايته، كما أنها قد تسمح بتفكيك الارتباط بين السيسي وبين دائرته؛ بالتأكيد على إدانته وحده.

إذاً، أصبح هناك تصور للحراك، بقي وجود تنظيم لإدارة التظاهرات في الشارع، وهي المعضلة التي عانى منها الشارع المصري طوال السنوات الست الأخيرة، في ظل التفات الأحزاب والحركات السياسية المصرية إلى خلافاتها مع بعضها واجترار أحداث الفترة؛ ما بين تنحي مبارك والانقلاب على مرسي.

على الجهة المقابلة لمسارات الحراك، هناك مخاوف ترتبط بإخفاقه، فأجواء 20 أيلول/ سبتمبر لا تختلف عن الأجواء التي صاحبت الدعوة لتظاهرات "حركة غلابة" التي دعت لإسقاط السيسي في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. وحركة غلابة كان يتزعمها مصري يقيم في إسطنبول، وتاريخه السياسي محدود نسبيا، وتم التجاوب مع دعوته بصورة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان هيكل الحركة مجهولا، والاستجابة للدعوات حصلت بصورة كبيرة رغم عدم تبني أي تيار سياسي لها. وفجأة انقطعت الدعوات ولم يحدث أي شيء، لكن السيسي كرر مرارا بعدها حديثه عن "أهل الشر" الذين كانوا يريدون إثارة الفوضى في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، لتعقب تلك الفترة إجراءات اقتصادية شديدة القسوة، وقد سبقها بأيام تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، أيضا إجراءات أمنية عنيفة بحق معارضين من كل التيارات السياسية.

تبقى في النهاية تساؤلات رئيسية تثير قلق المهتمين بالشأن المصري العام في ظل هذا الغموض الذي لا يزال محيطا بالحراك، فإذا تمت إزاحة السيسي فعليا، كيف ستتم إدارة المرحلة التالية له؟ وما هو وضع التنظيمات السياسية إذا حدثت عملية تغيير لم تشترك في صناعتها؟ وما هي محددات هذا الحراك إذا لم يستجب السيسي سريعا؟ فهل سننتقل إلى مرحلة أكثر عنفا وفوضوية، في ظل غياب تنظيمات مدنية يمكنها السيطرة على الفوضى؟ هل ستقدر التنظيمات المدنية على الدخول في قلب الأحداث وتقوم بعمل توازنات في المطالب وصورة الحراك؟ أم سترفضها الجهة الداعية للتظاهرات؟

إن المشهد المصري الحالي أعاد آمال ملايين المصريين في التخلص من حكم استبدادي صنعه السيسي، لكنه في نفس الوقت لا يزال مثيرا للتأمل والقلق من مآلات هذا التحرك. ورغم هذا القلق، فإن تصور رحيل السيسي عن الحكم كخطوة أولى يجعل كل التساؤلات مؤجّلة لحين إتمام تلك الخطوة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"