“التاريخ يعيد نفسه”، عبارة تروى عن العلامة عبد الرحمن ابن خلدون رحمه الله، والمراد بها هو أن للتاريخ قوانين، ولكل نتيجة مقدمات، فكلما عادت هذه المقدمات عادت معها نفس النتائج؛ لأن طبائع الأشياء والأحداث في حياة البشر، عبارة عن مقدمات ونتائج بينهما ارتباط عضوي، كلما تكررت مقدمات ما تكررت معها النتائج ذاتها، بحيث لا يتغير منها شيء في المضامين، وربما في الأشكال أيضا.

في هذه الأيام التي نعيشها منذ ثمانية أشهر، هي الأيام نفسها التي عشناها في الفترة ما بين 1988/1992، حركة شعبية متفاعلة ومنفعلة، ووعود بالتغيير، وطموح شعبي عالي السقف، وتغيرات ترى على الأرض وتلمس، حيث عدل الدستور وأنشئت الأحزاب، ودخلت البلاد عهدا جديدا لم تعرفه خلال سنوات الاستقلال الممتدة إلى ربع، بحيث تم الانتقال السلس من الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، وكأن الشعبكان مهيأ لذلك، ربما بسبب وجود تلك التعددية السياسية الفعلية، التي كانت تمارسها المعارضة في السرية، فلم يضف إليها تحول السلطة جديدا، إلا الخروج من السرية إلى العلنية، ومن مظاهر ذلك التفاعل الإيجابي مع الساحة السياسية، تأسيس الأحزاب ومباشرتها في النشاط السياسي التعددي، فأجريت انتخابات محلية 1990، وفازت بها المعارضة، وتباينت القراءات لهذا الفوز، فمن قائل إنها انتخابات انتقامية من النظام ومن جبهة التحرير الوطني تحديدا –الحزب الحاكم-، ومن قائل إن الشعب ضُلِّل من طرف الحزب الفائز بالمرتبة الأولى، الذي يستعمل الدين في خطابه السياسي، ومن قائل إن الشعب ليس مؤهلا لأن يختار من يحكمه…

 

ورغم كل هذه الآراء المتباينة في تقييم هذه التجربة، فإن مجرد التحرك الشعبي والتفاعل مع الطبقة السياسية كان إيجابيا، وكان مبشرا بمستقبل سياسي زاهر، سواء من جهة الطبقة السياسية، التي كانت تتعامل في مجملها بمسؤولية وإيجابية، على ما بين أطرافها من صراعات أيديولوجية، أو من جهة السلطة التي كانت صادقة إلى حد كبير في إرادة التحول والتغيير، ولكن أطرافا في السلطة، لم تكن تتبنى الخيار الرسمي للدولة ومؤسساتها، إذ بعد نجاح تجربة المحليات 1990، تبين توجه الشعب والتوجه العام للساحة السياسية، فعملت هذه الأطراف على توجيه الحياة السياسية بما تهدف إليه من خارج اللعبة، فحضرت لانتخابات تشريعية “مُخيَّطة” وذلك عن طريق وضع تقسيم للدوائر الانتخابية، يفضي بنهايته إلى التزوير الممنهج…

 

ومع ذلك لما كانت الطبقة السياسية في مستوى من النضج، سقطت تلك “المكيدة السياسية”، وسقطت الحكومة التي أشرفت على تلك التحضيرات، وعدل قانون الانتخابات، وأجريت انتخابات تشريعية بعد ذلك، وفازت بها نفس الشريحة التي فازت بمحليات 1990، ولكن إرادة السوء التي تطارد الجزائر، لم تسمح لهذه العملية بأن تستمر، ووقع الانقلاب على الشعب في يناير 1992 وألغيت نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية التي أجريت في 26 ديسمبر 1991، وأدخلت البلاد نفقا طيلة عشر سنوات، ثم أعقبت بعشرين أخرى لم تكن أفضل منها، ولكن بفارق بسيط، وهي أن العشرة الأولى كانت في ظل انقلاب، والعشريتين التاليتين كانتا في ظل مرشح للسلطة ورئيس منتخب انتخاب المرضيِّ عنه من قبل السلطة.


تلك الأيام التي عشناها خلال سنتين أو أكثر قليلا من أكتوبر 1988 إلى ديسمبر 1991، نعيشها اليوم وبنفس الحركية وبنفس التفاعل الإيجابي وبنفس الطموح وبنفس الأماني، ولكن بقليل من التردد والشك والريبة، بسبب المآسي التي مرت بها البلاد، خلال تسعينيات القرن الماضي، التي كانت بدايتها إلغاء المسار انتخابي، أول من اعترف به وبصدقيته السلطة نفسها، وانتهت بحصيلة قدرها مئتا ألف قتيل على الأقل، وآلاف من الملايير المتلفة من الاقتصاد الوطني.


اليوم ونحن في الشهر الثامن من الحراك الشعبي، ومقبلون على انتخابات رئاسية، والصراع لا يزال قائما بين العصب السياسية، البادية والخفية، وبطبقة سياسية مشرذمة، رغم عزم أكثر من مائة شخص على الترشح للرئاسيات!!


هل يمكن للقوى الظاهرة المضادة للرئاسيات أن تؤثر على نتائج هذه الانتخابات؟ وهل ستكون هذه الانتخابات بمستوى من النزاهة المطلوبة التي وعدت بها السلطة؟


وهل يمكن للقوى الفاعلة المستترة أن تسمح لهذه الانتخابات بالنجاح؟


لا شك أن هناك ضمانات تقدمت بها الجهات الرسمية، السلطة الفعلية، والسلطة الوطنية المكلفة بالعملية، ولكن عندما نعود إلى تجربتنا الأولى 1988/1991، نجد أن هناك ضمانات قدمتها السلطة أيضا، والمتمثل في وعود رئيس الجمهورية المنتخب، ولكن لم يسمح للعملية بالنجاح، لأن تجربة المحليات سنة 1990، قد كشفت عن القوى المعبرة حقيقة عن سواد الأمة وعن ممثلي الشعب الحقيقيين، وذلك معبر عن فوز الجزائر وعن قفزتها نحو الفوز الحقيقي بالبلاد إلى بر الأمان.. وقد كان الوضع السياسي يومها كله في حال تعبوي من أجل نجاح الديمقراطية والقبول بها مهما كانت النتائج، ولكن لما فازت الديمقراطية وأفرزت الأحجام الحقيقية لجميع التيارات والحساسيات السياسية في البلاد، أعلن بعضهم أنه “أخطأ في المجتمع”.


والذين استصحبوا تجربة 1990/ 1991، لا يريدون للتجربة أن تتكرر، ولذلك لم يكتفوا بالضمانات التي تقدمت بها السلطة الفعلية، فأضافوا لها التحذير من النتائج المفضية إلى دكتاتورية الأغلبية إلى لأنها تمثل الأقلية الأيديولوجية أو الأقلية السياسية، وتريد بذلك أن تثبت أنها أقلية، لا تخضع للانتخاب والتصويت، وإنما تفرض منطق المحاصصة والكوطة، التي لا تمر عبر الصندوق تمهيدا لما بعدها من الأمور التي لا يمكن أن تتحقق بالانتخاب والتصويت الشعبي.

 

رغم أن الجمهورية الجزائرية لا أقلية فيها، فهي شعب واحد، وضع أسس دولته ومواثيقها، انطلاقا من أدبيات الحركة الوطنية والثورة الجزائرية، وطورت بعض جوابها خلال تجربة الدولة الوطنية، ولا تزال تصارع من أجل استكمال العملية، ولكن بقايا الاستفتاء بـ”لا للاستقلال”، ودفعة لاكوست، وبعض “الفارين” من الجيش الفرنسي، لا يزالون يغالبون من أجل دولة تختلف عن ما هو وطني عربي إسلامي، فكانوا يعتقدون أن الديمقراطية تخدمهم فدافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة، ولكن لما “أنصفتهم” وأظهرت حجمهم الحقيقي، تنكروا لها وتبنوا عقيدة التعيين.. فهم لا يبحثون عن صوت الشعب وعطائه، وإنما يريدون عطاء السلطة التي تثبتهم في مواقعهم بحيث لا يغادرونها إلا بالوفاة أو التقاعد، مديرين للإدارات العامة، وأمناء عامين في البلديات والولايات والوزارات، ورؤساء دواوين…إلخ.

(الشروق الجزائرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"