ـ 1 ـ

الأقزام والرويبضات الذين يتطاولون في البنيان، ويطيلون ألسنتهم على نضالات شعب فلسطين، إرضاء لأسيادهم، وتزلفا للعدو الأبدي: إسرائيل ومشروعها المتوحش في فلسطين، هؤلاء يشبهون الجرذان التي تخرج من جحورها خلسة، باحثة عن فتات فريسة، ولو كانوا رجالا وعلى قدر كلامهم المسموم، لما تجرؤوا فاستقووا على شعب منكوب، (يدعون زورا وبهتانا أنه باع أرضه لليهود!) نشر في بلاد الدنيا العلم والتفوق، وعلم كثيرا من الشعوب أبجديات الحياة، قبل أبجدية اللغة!

لا أجد ردا يليق بهؤلاء "الأشياء"، وعلى أسيادهم إلا أن أسوق لهم وللأجيال الصاعدة التي لا تعرف تاريخها جيدا، عينة من الرجال الحقيقيين، الذين كانت حياتهم ترجمة عملية لمعنى الرجولة والكبرياء، ولوجه المقارنة فقط، بين أشباه الرجال اليوم، ورجال الأمس الحقيقيين!

ـ 2 ـ

لنقرأ معا، بعض ما كتب عن أسطورةٍ اسمُها: أحمد المحمود الشهير بأبي جلدة وصالح أحمد مصطفى العراميط.

بين  عامي 1930 ـ 1934، تحوّل هذان الاسمان إلى أسطورة فلسطينية مدهشة، ما تزال عالقة في الذهن إلى يومنا هذا. هذه الأسطورة استفاضت في التعبير عن ذاتها حين استطاع صاحباها تشكيل خلية مقاومة أرهقت الانتداب البريطاني لسنوات، ونجحت مئات المرات في الإفلات من الكمائن التي نصبها الإنجليز للإمساك بها، لدرجة أنّ البوليس البريطاني استقدم مئات القوات، وألبس أنفارا منها لباسا قرويا، واشترى لهم حميرا حمّلها عنبا ليبيعوه في القرى لالتقاط أخبار أبو جلدة، لكن دون جدوى.

 

هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق السلطة الفلسطينية على وجه التحديد في عملية إسناد الأسرى

وبعدما استنفد الانتداب البريطاني طاقاته القصوى في العثور على صاحبَيْ الأسطورة تلك، أعلن الانتداب بدوره عن جائزة قدرها 350 جنيها لمن يدلي بأي معلومة عنهما، علّها تكون طرف خيطٍ يقود للإمساك بهما. ومن الواضح أن هذه الحيلة أتت ثمارها في شهر نيسان (أبريل) من العام 1934، إذ حاصرت القوات البريطانية أحد كهوف نابلس، التي تحصّن بها "أبو جلدة" والعراميط.  وبعد أن ألقيا بأسلحتهما، أُلقي القبض عليهما، لتحكم المحكمة عليهما لاحقا بالإعدام شنقا، وذلك في 26 حزيران (يونيو) من العام نفسه (1934).

الشهود الذين وثّقوا المحاكمة، قالوا إن المحكومَيْن بالإعدام لم يجزعا ـ البتّة ـ ولم تَبْدُ عليهما أمارات القلق أو الارتباك والذعر، وهما في طريقهما إلى المشنقة؛ وكأنّهما يلاقيان الموت ببسالة وقلبٍ قوي، مقبلَيْن غير مدبرَيْن، من واقع التيقّن بأحقيّة قضيتهما وعدالتها، بل تسابقا إليها، كل منهما يريد أن يلقى وجه ربه قبل رفيقه!

تذكر صحيفة "الدفاع"، في عددها الصادر بتاريخ 22 آب (أغسطس) 1934، أن كلّا من أبي جلدة والعراميط كانا قد تسابقا إلى ملاقاة ربهما، وتنازعا الموت، كلٌّ يريده أولا.  فعلى الرغم من قرار إدارتي السجن والصحة بتنفيذ حكم الإعدام بحقّ العراميط أولا، إلا أن أبا جلدة تقدّم للمشنقة قبل رفيقه وطلب تنفيذ حكم الإعدام فيه، لكن الإدارة لم ترضخ له، ليذهب العراميط إلى حتفه راضيا ومنسحبا إلى السماء قبل أبي جلدة، ومودّعا إياه بالقول: "لا بأس في هذه النتيجة. ولا يأخذك الأسف على هذه الحياة في مثل هذا الحكم الجائر، وإن من يغلِبُ الرجال، سيُغْلَب ذات يوم". فيما ألقى نظرة الوداع على زملائه المساجين، قائلا: "خاطركم، يا إخوان! خاطركم، كلُّ واحد منكم باسمه"، وملحقا ذلك بنطقه بالشهادتين، قبل أن يتوقّف قلبه بعد تعليقه على حبل المشنقة بإحدى عشرة دقيقة. 

بالمقابل، ودّع أبو جلدة رفيقه في الصحو والمنام، وهو يسير نحو حبل المشنقة بخطوات رزينة ثابتة، بأغنيات قروية حماسية شداها بصوتٍ مرتفع، وذلك من الساعة الثامنة صباحا حتى الثامنة وخمسٍ وأربعين دقيقةً. كما كان كلٌّ منهما كأنه ذاهب إلى عرسٍ وفرحٍ لا يُعوّض، إذ كانت أيديهما مخضبّة بالحناء ولحيتاهما محلوقة، وملابسهما نظيفة للغاية، وتفوح منهما روائحُ عطرة،ٌ وقتما حضرا ساحة الإعدام!

ـ 3 ـ

مسيرة أبي جلدة والعراميط لم تزل مستمرة، وإن تحول الإعدام في سجون الصهاينة إلى نمط آخر من القتل البطيء، وللأسف، فكشأن كل الحقوق الفلسطينية المهدورة، أهدر الفلسطينيون الرسميون والعرب حقوق المعتقلين الفلسطينيين في سجون العدو الصهيوني، واقتصرت جهود الإفراج عنهم على صفقات تبادل الأسرى القليلة، وحتى أولئك الذين أفرج عنهم من الأسرى ضمن هذه الصفقات جرى اعتقالهم مجددا، بحجج واهية وذرائع تافهة!

حتى الآن اقتصرت جهود مساندة الأسرى على النشاطات والحملات الشعبية، التي تهب بين حين وآخر ثم ما تلبث أن تخبو حسب المواسم، وهذا جهد طيب ومبارك، إلا أنه ليس عمليا ولا يأتي بنتائج فعلية، خاصة أننا نواجه عدوا شرسا لا يعترف بغير القوة، ولا يمتثل إلا لها، وقد بذل عدد من النشطاء القانونيين الفلسطينيين جهودا لا بأس بها في اتجاه التأصيل لوضع المعتقلين الفلسطينيين، باعتبارهم أسرى حرب أو مقاتلين من أجل الحرية، إلا أن هذا الجهد ظل في مجال الدراسات والبحوث والحملات الدعائية، ولم ينتقل إلى ساحة الفعل الرسمي، كون المؤسسات الرسمية الفلسطينية المنبثقة عن سلطة أوسلو لم تأخذ هذا الأمر على محمل الجد، ولم تسع حتى الآن بشكل جدي لنقل قضية المعتقلين إلى الساحة الدولية، والحقيقة أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق السلطة الفلسطينية على وجه التحديد في عملية إسناد الأسرى، حيث تمتلك أدوات ضغط حقيقية (لو شاءت!) من أجل تحويل الوضع القانوني للمعتقلين الفلسطينيين من وضع معتقلين أمنيين أو "إرهابيين" إلى وضع "أسرى حرب" و"مقاتلين من أجل الحرية"، وكلا الوضعين يرتبان على سلطة الاحتلال التعامل بشكل قانوني مع المعتقلين الفلسطينيين، وهو الطريق العملي الوحيد لإسناد هؤلاء المعتقلين بشكل جدي وفاعل، بدلا من إصدار مئات التصريحات وبيانات الشجب التي لا تغير من الواقع شيئا.

 

حتى الآن اقتصرت جهود مساندة الأسرى على النشاطات والحملات الشعبية، التي تهب بين حين وآخر ثم ما تلبث أن تخبو حسب المواسم

ولنفهم الوضع القانوني للمعتقلين الفلسطينيين، لا بد من العودة قليلا إلى ما جرى عقب "توحيد" فلسطين تحت الاحتلال في العام 1967، حيث أصدر القائد العسكري التابع لقوات الاحتلال "حاييم هرتسوغ" حينها الأمر العسكري رقم (3). وقد جاء في مادته 35 "أنه يترتب على المحكمة العسكرية تطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12 آب (أغسطس) 1949 بخصوص حماية المدنيين في أثناء الحرب والاحتلال، وتأكيد أن تلتزم المحكمة العسكرية بتطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة فيما يتعلق بالإجراءات القضائية، وإذا وُجِدَ تناقض بين هذا الأمر وبين الاتفاقية فتكون الأفضلية لأحكام اتفاقية جنيف".

غير أن القيادة العسكرية لقوات الاحتلال، سرعان ما تنصلت من التزامها بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، ومعاملة المدنيين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال بموجب ما قررته تلك الاتفاقية من إجراءات قضائية، تضمن حق المحاكمة العادلة. وأصدر القائد العسكري لمنطقة قطاع غزة وشمال سيناء يوم الحادي عشر من تشرن الأول (أكتوبر) 1967 الأمر العسكري (107)، وأصدر القائد العسكري للضفة الغربية في يوم الثالث والعشرين من الشهر عينه، الأمر العسكري رقم (144)، الذي نص على أن "أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لا تتمتع بالسمو والأفضلية على القانون الإسرائيلي وتعليمات القيادة العسكرية، وأن ما تضمنته المادة 35 من الأمر العسكري رقم (3) من إشارة إلى اتفاقية جنيف الرابعة قد جاء بطريق الخطأ"! 

ومنذ ذلك الوقت، ترفض دولة الاحتلال الاعتراف بانطباق اتفاقيات جنيف على الأرض الفلسطينية المحتلة، بحجة أنها لم تحتل من دولة ذات سيادة، على اعتبار أن المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية كانتا تقومان بإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تكونا صاحبتي سيادة عليهما، والطريق العملي الوحيد لإسناد الحركة الأسيرة إعادة ملفها بالكامل إلى وضعها الحقيقي وفق القانون الدولي، وبغير هذا الأمر سيبقى آلاف الأسرى ومقاتلو الحرية من أبناء الشعب الفلسطيني رهائن تعليمات وقوانين إسرائيلية تهدر إنسانيتهم وتعاملهم كمجرمين، يعدمون ببطء لا أصحاب قضية يدافعون عن وطن محتل!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"