بعد مُضي نحو 3 أسابيع من مباشرة حكومة رئيس الوزراء السوداني الجديد الانتقالية، ظهرت فيها وفي بعض شخوصها اختلالات كبيرة تستدعي مراجعة سريعة أقرب لعملية إعادة ضبط المصنع.

 

وعقدت هذه الحكومة أول اجتماع لها في 8 أيلول/سبتمبر الحالي بعد أداء القسم الدستوري، وكان قد صاحب ميلادها مخاض سياسي عسير، فمنذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير في 11 نيسان/أبريل الماضي، ظل المشهد السياسي السوداني أسيرا لتجاذبات عنيفة فيما بين القوى السياسية المدنية نفسها، ومن جانب آخر بين القوى المدنية والقوى العسكرية.


جدل واسع ومحتدم في وسائل التواصل الاجتماعية السودانية حول 3 أو 4 وزراء اختارهم عبد الله حمدوك في حكومته وهم وزراء الخارجية، والتعليم العالي، والشؤون الدينية والأوقاف، والصناعة. وانصب الجدل حول ضعف بعضهم وتعاطي البعض الآخر مع قضايا وزارته على طريقة النشطاء السياسيين.


ربما كان لوزيرة الخارجية الجديدة نصيب الأسد من جملة الانتقادات المصوبة تجاه فريق رئيس الوزراء؛ وتعرضت لهجوم كاسح بعد ظهورها في برنامج حواري في إحدى القنوات الفضائية، وبدت الوزيرة ضعيفة بشكل واضح ومهزوزة جدا، وتحاول أن تقرأ من أوراق أمامها رغم أن الأسئلة كانت تصدر من المحاورة بشكل تلقائي، وكانت أحيانا كثيرة تحاول جاهدة أن تطرح تساؤلات من وحي إجابات الوزيرة غير المكتملة وغير الواضحة، في محاولة لتوضيح ما أشكل عليها فهمه من ردودها المبهمة.


لكن مؤيدي الوزيرة وعصبتها السياسية، احتفوا بتقرير صحفي لإحدى المطبوعات الألمانية التي ركزت في إشادتها بالوزيرة؛ من حيث كونها أول امرأة على المستوى العربي تتقلد منصب وزير الخارجية وهذه زاوية صحيحة، بيد أن ذلك لا يصطدم في حقيقة الأمر مع الآراء السالبة حول أدائها من خلال ظهورها الإعلامي.


في وزارة التعليم العالي قدّم نحو 36 مدير جامعة استقالات جماعية بسبب تصريحات لوزيرة التعليم العالي، اعتبرت فجة حين قامت بزيارة لإحدى الجامعات دون إعلام مدير الجامعة، وخاطبت تجمعا داخل حرم الجامعة دعا له فرع تجمع المهنيين بالجامعة، وقالت الوزيرة مهددة أن عملية «كسح ومسح وكنس» ستجري، في إشارة لعملية إحالات وإقصاء لمن يحسبون على النظام السابق. وفيما بعد طلبت الوزيرة من الجامعات تقديم ترشيحات لمديرين جدد، شريطة أن يكون المرشح مؤمنا بميثاق قوى الحرية والتغيير.


ولدي قناعة بأن أسلوبها كان غير مقبول ولم تستطع الخروج من جلباب الناشطة السياسية لتضع نفسها في مقام رجل الدولة، وكان يمكنها أن تنفذ سياستها غير منقوصة بإعمال النظم والقوانين.

وتثير محاولات تبرير نهج الإقصاء باعتبار أن النظام السابق قد انتهجه، الكثير من الإحباط باعتبار أن الثورة قامت لإرساء العدالة وليس لتكرار ما كان يحدث من ممارسات خاطئة، وإلا فما فائدة التغيير الذي حدث؟ المدهش أن الوزيرة شغلت منصب عميد كلية الآداب بجامعة الخرطوم في عهد النظام السابق، مما يطرح تساؤلا حول حجم الإقصاء الذي كان سائدا حينذاك.


ومن المفارقات الجديرة بالملاحظة أن رئيس الوزراء نفسه اعتمده حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك وزيرا للمالية في منتصف أيلول/سبتمبر من العام الماضي، لكنه في اللحظات الأخيرة اعتذر عن المنصب. وواجه حمدوك انتقادات ليس بسبب عدم تعيين وزيري الثروة الحيوانية، والبنية التحتية والنقل حتى اليوم لعدم الاتفاق السياسي حول شاغليها، ولكن لتصريحات أدلى بها إبان أول زيارة خارجية قام بها حين زار دولة جنوب السودان.


حمدوك دعا هناك في جوبا إلى عدم وضع العراقيل أمام حرية الحركة للمواطنين بدولتي السودان، وقال إنه يرى السماح لمواطني دولة جنوب السودان أن تكون لهم جنسية مزدوجة. وعلى الفور تساءل منتقدو حمدوك حول ما إذا كان من حق حكومة انتقالية تتحدث عن مثل هذه القضية في غياب سلطة تشريعية (برلمان). وقالوا: هل للأمر علاقة بسجل الناخبين في الانتخابات القادمة؟ في إشارة لمحاولات مبكرة للتأثير على نتائج الانتخابات المقبلة عقب الفترة الانتقالية.

 عن صحيفة الشرق القطرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"