لديّ اعتراف: لقد كنت مخطئا بشأن طموح الرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ففي بداية رئاسته، افترضت أن ترامب سيسلك برنامجا متواضعا في الشؤون الدولية ويركز بدلا من ذلك على أجندته الداخلية الأكبر، والتي تم الترويج لها كثيرا خلال الحملة الرئاسية لعام 2016.

إن شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» يتطلب تركيزا شديدا على مشروعات البنية التحتية، وإعادة التدريب على الوظائف، وتعزيز أمن الحدود، وخفض الضرائب على الطبقة العاملة –أو هكذا قيل لنا، على الأقل. ويبدو أن هذا ترك نطاقا صغيرا لقضايا السياسة الخارجية الرئيسية. وعلاوة على ذلك، كان خبراء السياسة الخارجية في إدارة ترامب يقيمون أفكار الرئيس الجديد في ما يتعلق بالشؤون الدولية. وفي وقت مبكر، قمت بتتبع بعض التواصل بين إدارتي أوباما وترامب في شؤون الأمن القومي..


ولكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على تولي إدارة ترامب، فإنني أعترف الآن بأنني كنت مخطئا. وبدلا من ذلك، لم يشرع ترامب في تنفيذ مشروع واحد فقط، بل مشاريع دبلوماسية كبرى: إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، السعي لإبرام صفقة نووية أفضل مع إيران، السلام مع «طالبان»، إعادة هيكلة أساسية للمشاركة الاقتصادية مع الصين، الانفراج السياسي مع روسيا، تأمين مكسيكي لجدار ضخم على الحدود، اتفاقيات تجارية جديدة مع كندا والمكسيك واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، وسلام دائم في الشرق الأوسط. لا يمكنني التفكير في رئيس يطمح إلى القيام بالكثير خلال فترة ولايته الأولى – وكل ذلك في وقت واحد.

كما أنني قللت أيضا من إبداع ترامب في تبني استراتيجيات جديدة لتحقيق قائمته الطموحة من الأهداف. باعتباره رجل أعمال، ومؤلف كتاب «فن الصفقة»، تباهى ترامب بقدراته التفاوضية الخاصة. يجب أن يتفق جميع المعجبين والأعداء، على حد السواء، على أن ترامب قد نشر أساليب جديدة للدبلوماسية التي لم يجرؤ الرؤساء السابقون على تجربتها.

لقد قدم عروضا لديكتاتور كوريا الشمالية من خلال زيارة شخصية قام بها، وفرض رسوما جمركية هائلة على أكبر شريك تجاري لنا في ذلك الوقت، ودعا حركة «طالبان» لإجراء محادثات في كامب ديفيد، وأعرب عن إعجابه الشديد بالحاكم المستبد في موسكو ويبدو (على الرغم من التفاصيل التي لا تزال غامضة) أنه يدير مسرحية رهيبة لتأمين السلام بين إسرائيل وفلسطين.

وفي خروج آخر عن أساليب الرؤساء السابقين، لا يتبع ترامب نفس الاستراتيجية لتحقيق غايات مماثلة. فلمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، تبنى ترامب عكس هذه الاستراتيجية تماما: الضغط القسري الشامل. هذا أمر غير معتاد.

وبشكل عام، وفي خروج جذري عن الدبلوماسية التقليدية، لا يخشى ترامب من إعطاء شيء مقابل لا شيء، على الأقل على المدى القصير. فقد منح زعيم كوريا الشمالية «كيم جونج أون» لقاء قمة رئاسية، ونقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، وخفض إنفاقنا الدفاعي لحلف «الناتو» في أوروبا الشرقية وتقريبا استضاف «طالبان» في كامب ديفيد خلال أسبوع 11 سبتمبر. وكل ذلك في مقابل عدم وجود فوائد واضحة وملموسة –أو، بلغة وزارة الخارجية، بلا «سلع في المقابل» –للولايات المتحدة. هذه ليست أساليب دبلوماسية معتادة.

ومع رحيل مستشاره للأمن القومي «جون بولتون»، سيكون ترامب أكثر تحررا من أي وقت مضى لمتابعة الدبلوماسية الأصلية. وفي بداية أخرى، ربما يكون اجتماع ترامب مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك في وقت لاحق من هذا الشهر قيد التنفيذ.

وفي مرحلة ما، ربما تؤدي هذه الدبلوماسية الخلاقة إلى نتائج. ولكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات في رئاسته، بدأ ترامب العديد من سيناريوهات السياسة الخارجية ولم يكمل أيا منها تقريبا. فلم يتوصل لأي اتفاقيات بشأن نزع السلاح النووي مع إيران أو كوريا الشمالية. أما حربه التجارية مع الصين فلم تتمخض حتى الآن عن أي نتائج. ومن ناحية أخرى، لم تدفع المكسيك تكاليف بناء الجدار الحدودي، وبدلا من ذلك، تم تخويل البنتاجون بتحويل 3.6 مليار دولار من 127 مشروعا عسكريا. ولم تسفر علاقته الودية الغريبة مع فلاديمير بوتين عن أي نتائج ملموسة فيما يتعلق بالسيطرة على الأسلحة، أو أوكرانيا أو أمن الانتخابات الأميركية. ويبدو السلام بعيدا عن كل من الشرق الأوسط وأفغانستان.

والإنجاز الوحيد الذي حققه ترامب هو تعديل بسيط في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا». ومن المفارقات أن العديد من التغييرات في الاتفاق التجاري الجديد مع المكسيك وكندا، وأهمها اللغة الجديدة بشأن الاقتصاد الرقمي، كانت فقرات تم اقتباسها من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي اقترحها باراك أوباما. وفي وقت سابق من صيف هذا العام، ساعد الدبلوماسيون الأميركيون في التوسط للتوصل إلى اتفاق بين الحكومة السودانية وقادة المعارضة، ولكن دون أي مساعدة من دبلوماسية ترامب الإبداعية. (ليس من الواضح ما إذا كان الرئيس مشاركا على الإطلاق)

لا يزال ترامب أمامه عام على الأقل في فترته الرئاسية، ما يبقي الباب مفتوحا أمام احتمال أن تحقق دبلوماسيته الإبداعية أي نتائج ملموسة. وإذا استطاع ترامب إبرام حتى نصف الصفقات التي يتابعها الآن، فينبغي الإشادة بطموحه الكبير وأسلوبه الدبلوماسي الفريد.

إنك لا تسجل نقاطا في الدبلوماسية من أجل الأصالة. إنك تميل إلى تحقيق النتائج من خلال جهد صبور ومضن ينطوي على كم كبير من المعلومات والسفر والمحادثات الموجهة نحو التفاصيل من الأعداء والحلفاء. وبشكل عام، لم تحقق دبلوماسية ترامب أي نتائج في كل هذه الجبهات.


يجب الحكم على ترامب ودبلوماسية فريقه عندما تحقق نتائج ملموسة، وليس من خلال شكلها الإبداعي. وحتى الآن، تصدرت تحركاته الدبلوماسية الفريدة عناوين الصحف، ولكنها لم تحقق فوزا واضحا من أجل أمن ورفاهية الشعب الأميركي.

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"