جاء إعلان الرئيس الأميركي، الأسبوع الماضي، عن عزم إدارته منع بيع وتداول السائل المستخدم في السجائر الإلكترونية، ذي النكهات الطيبة، مثل نكهة المانجو أو البرتقال أو القرفة، لتلقي بالضوء مرة أخرى على هذا الأسلوب الجديد في استهلاك النيكوتين، كبديل عن تدخين منتجات التبغ التقليدية. ويأتي إعلان الرئيس الأميركي عن هذا القرار في ظل تواتر التقارير التي تفيد بوفاة 6 أشخاص بسبب استخدام السجائر الإلكترونية، وإصابة 450 آخرين بأمراض في الرئتين في 33 ولاية أميركية. وبالفعل قامت ولاية «ميتشيجن» بمنع بيع وتداول سوائل التدخين المصاحبة بنكهة، بينما أعلن وزير الصحة الأميركي «آليكس آزار» عن عزم إدارة «الأغذية والعقاقير» على وضع خطة لسحب جميع أنواع سوائل النيكوتين المنكهة من الأسواق، وهو الأمر الذي قد يستغرق بضعة أسابيع.


والملاحظ في هذه الوفيات أن غالبيتها كانت لأشخاص صغار في السن، لا يتعدى متوسط أعمارهم سن التاسعة عشرة، كما أن بعض الأجهزة المستخدمة كانت تحتوي على آثار من سائل الحشيش أو الماريجوانا. وهو ما دفع البعض للتشكيك في أن السجائر الإلكترونية كانت هي السبب في تلك الوفيات والإصابات، وخصوصاً في ظل عدم وجود علاقة مرضية أو باثولوجية واضحة. إلا أن هذا لم يمنع إحدى الشركات الكبرى التي تستحوذ على حصة الأسد من سوق منتجات التدخين الإلكتروني من وقف إنتاج وبيع السوائل المنكهة، للتخفيف من حدة الانتقادات التي أصبحت توجه لها على مواقع الاتصال الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.


وربما كانت الحقيقة هي في منزلة بين منزلتين، ففي ظل عدم وجود دليل طبي دامغ على تسبب وسائل التدخين الإلكتروني في ضرر للرئتين، حيث تظل هناك مشكلة أكبر، وربما أكثر تعقيداً، وهي أن هذه السجائر الإلكترونية، وما يحيط بها من اعتقاد عام بأنها غير ضارة –وهو ما لم يثبت بعد- قد جذبت إليها ملايين المستخدمين، وجزء لا يستهان به من صغار السن، ربما لم يكن يقدر لهم أن يقعوا في شباك إدمان هذه المادة الكيميائية –النيكوتين- لولا الطعم والمذاق الذي يحصلون عليه من النكهات المضافة. وإنْ كان هذا لم يمنع الكثيرين من الاعتماد على السجائر الإلكترونية، كوسيلة أثبتت فعاليتها في مساعدة البعض على الإقلاع عن هذه العادة السيئة والمميتة، بما في ذلك نظام الرعاية الصحية الوطني في بريطانيا. ولدرجة أن بعض الاقتراحات تدفع بأن يتحمل نظام الرعاية الصحية المجاني، تكلفة السجائر الإلكترونية والسائل المستخدم فيها، مثله مثل الوسائل الأخرى التي تساعد على الإقلاع عن التدخين، كاللبان، ولصقات الجلد، والبخاخ.


وتستند هذه المقترحات إلى حقيقة أن منتجات التبغ، تتسبب في أضرار لا تضاهيها فيها أي من المنتجات الأخرى، فالتدخين يقتل نصف مستخدميه، بشكل مباشر أو غير مباشر، ويتسبب في وفاة 6 ملايين شخص سنوياً، وإذا لم تتخذ تدابير كافية لمكافحته، فسيرتفع العدد السنوي لضحايا التبغ إلى 8 ملايين بحلول عام 2030. كما أن التقديرات تشير إلى أن تدخين التبغ يكلف نظم الرعاية الصحية لدول الاتحاد الأوروبي وحدها، أكثر من 25 مليار يورو، أي ما يعادل 110 مليارات درهم سنوياً.


والمؤسف أن تدخين التبغ لا يميز بين ضحاياه على أساس العمر أو الجنس أو العرق أو الخلفية الثقافية أو المستوى التعليمي، فهو خطر داهم على الجميع دون استثناء، يحمل في طياته المعاناة، والمرض، والموت، ويفقر الأفراد والمجتمعات برمتها. وتتراكم الكلفة الاقتصادية للتبغ على الاقتصاديات الوطنية، من خلال رفع تكلفة الرعاية الصحية لأفراد المجتمع، وعبر خفض الإنتاجية للأفراد بسبب المرض وتدهور صحتهم، بالإضافة إلى الفاقد في رأس المال البشري الناتج عن وفيات الضحايا.


وجدير بالذكر أن تقرير «أطلس التبغ» الأخير الذي تعده الجمعية الأميركية للسرطان، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ويصدر كل عامين، كشف أن أكثر من 2900 شخص بدولة الإمارات ماتوا خلال 2016 بسبب مضاعفات الأمراض التي يسببها التدخين، بواقع 52 حالة وفاة بين الرجال أسبوعياً، أي ما يعادل 13 في المئة تقريباً من إجمالي حالات الوفاة بصورة عامة بين الرجال في الدولة، ووفاة 5 نساء أسبوعياً من جراء التدخين، بنسبة 6 في المئة من وفيات النساء بصورة عامة. وكشف التقرير أن العبء الاقتصادي على دولة الإمارات بسبب استخدام التبغ، يصل إلى أكثر من مليار درهم سنوياً، ويتضمن هذا العبء التكاليف المباشرة، الناتجة عن زيادة النفقات على الرعاية الصحية، والتكاليف غير المباشرة المتمثلة في انخفاض الإنتاجية بسبب معدلات الوفاة المبكرة وأمراض التدخين.

 

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"