تنجز تونس استحقاقا انتخابيا جديدا هو الخامس منذ قيام الثورة عام 2011. وتمثل الانتخابات الرئاسية التي تجري في 15 سبتمبر الجاري محطة مفصلية في مسار الانتقال الديمقراطي، وترسيخ ثقافة التداول السلمي على السلطة والاحتكام لصندوق الاقتراع، لاختيار من يحكم البلاد. وهي بالتالي ليست بالاستحقاق الروتيني وإنما تحمل معها دلالات ورسائل كثيرة.

* أولا: تؤكد هذا الانتخابات أن التونسيين متمسكون وماضون في احترام الاستحقاقات الدستورية في التداول السلمي على السلطة، وحريصون على أن تتم هذه الاستحقاقات في آجالها الدستورية، رغم كل الصعوبات والتطورات في المشهد السياسي، بما في ذلك وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي. ويؤشر هذا الإصرار على حرص النظام والطبقة السياسية إجمالا، على الدفع بعملية التغيير الديمقراطي وترسيخ ثقافة سياسية جديدة، بعيدا عن الالتفاف على الدستور، أو البحث عن مسوغات لتأجيل استحقاق انتخابي يمثل أحد معالم الانتقال الديمقراطي.

* ثانيا: يبدو عدد المترشحين الكبير الذي وصل إلى 26 مرشحا، مثيرا للاهتمام وجديرا بالتوقف، لما له من دلالات كبيرة وانعكاسات على السباق الرئاسي. إذ يؤشر على مدى الحيوية في الطبقة السياسية التونسية، وعلى الانخراط الكبير في الشأن العام مشاركة وقيادة. ويحيل هذا الأمر على التحول العميق في البيئة السياسية التونسية بعد الثورة، التي باتت مفتوحة وجاذبة ومتاحة أمام الجميع. فالصورة النمطية للمنصب الرئاسي، وموقعه في المخيال التونسي بعد الثورة، لم يعد حكرا على جهة جغرافية في البلاد (عادة الساحل أو أصيلي العاصمة)، وإنما تجد مرشحين من الشمال والجنوب والشرق والغرب، من الساحل ومن الداخل، من العوائل الكبيرة، ومن الأحياء الشعبية. وهو تحول كبير وعميق في المشهد السياسي، ستكون له انعكاساته على طبيعة الحكم وتفكيك الصورة النمطية «المتعالية» على الشعب. ينضاف إلى هذا التنوع والتعدد، الاختلاف الكبير بين المترشحين، من حيث خلفياتهم السياسية والأيديولوجية. فنجد في المرشحين مختلف العائلات السياسية، من المحسوبين على الثورة إلى المحسوبين على النظام القديم إلى التكنوقراط. ومن عائلات فكرية مختلفة من أقصى اليسار (الجبهة الشعبية) إلى الإسلاميين (النهضة) إلى الليبراليين.

* ثالثا: يجري هذا الاستحقاق الانتخابي في أجواء ديمقراطية معقولة في المجمل. إذ تضمن الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، المشرفة على هذا الاستحقاق، وهي هيئة دستورية منتخبة عبر البرلمان، إلى حد كبير، نزاهة عملية الاقتراع وتساوي الفرص بين جميع المترشحين، بداية من خضوعهم لإجراءات الترشح نفسها، ثم ضمان تكافؤ الفرص للجميع في الإعلام العمومي، لممارسة الدعاية الانتخابية. وقد حرصت الهيئة المذكورة على إبرام اتفاقيات مع مختلف المؤسسات والأجهزة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالعملية الانتخابية، من أجل تأمين التعاطي العادل، ومنح فرص متكافئة لمختلف المرشحين. وتمثل هذه الهيئة الضمانة الأساسية لنزاهة الانتخابات وشرعيتها، لاسيما وأنها تراكم تجربة مهمة، بحكم إشرافها على كل المحطات الانتخابية من 2011 وإلى اليوم.

رغم ذلك تبقى بعض المخاوف قائمة في ظل ما عبّر عنه بعض المترشحين من خشية استعمال وسائل وإمكانيات الدولة من مرشحين آخرين، بحكم وجودهم في السلطة. وحُذِّر هؤلاء المترشحون أكثر من مرة من شبهات استعمال حزب «تحيا تونس» الذي يقوده رئيس الحكومة يوسف الشاهد لموقعه في الدولة للدعاية لمرشحه الرئاسي ومرشحيه للبرلمان. كما ثارت شبهات حول الخلفيات وراء اعتقال المرشح الرئاسي نبيل القروي ثلاثة أسابيع فقط قبيل الانتخابات، لاسيما وأن استطلاعات الرأي تظهره متصدرا لنتائج الدور الأول من الانتخابات.

* رابعا: اللافت في هذه السباق الانتخابي أيضا تراجع كبير في حدة الاستقطاب والتجاذب السياسي بين المرشحين والأحزاب السياسية. إذ اختفى الكثير من الخطابات المتشنجة والتحريضية المتبادلة بين هذه الأحزاب. وبدت حملات المرشحين تركز على البرامج والوعود، ومتخففة من الهجوم على المنافسين أو محاولة ترذيلهم أو شيطنتهم. كما تراجعت بشكل واضح التجاذبات الأيديولوجية، رغم الحضور الواضح لمترشحين من اليسار الراديكالي، أو من يقدمون أنفسهم علمانيين إلى جانب الإسلاميين والقوميين. وقد يعبّر هذا الوضع عن حالة من النضج السياسي وقناعة لدى مختلف الأطراف، بأن الخطابات التي تستدعي الاستقطاب والتجاذبات الأيديولوجية لم يعد لها مكان في الساحة السياسية. وأن رهان القوى السياسة هو انعكاس لتطلعات وانشغالات المجتمع التونسي، الذي يبحث عن حلول جدية لقضايا التنمية والعدالة الاجتماعية والتشغيل.

* خامسا: قد يبدو المسار الديمقراطي في تونس طري العود، ولكنه بالتأكيد يترسّخ، مع كل استحقاق انتخابي جديد، وهو ديناميكية تتغذى من مجمل الممارسات السياسية السائدة اليوم، وتنضبط في مجملها مع الخيار الديمقراطي بإكراهاته وإغراءاته. وينجح الخيار الديمقراطي اليوم في بناء اجتماع سياسي جديد على قواعد مختلفة وفي قطيعة مع الأنظمة السياسية غير الديمقراطية، التي جاءت بها مرحلة ما بعد الاستقلال. ويبدو الاجتماع السياسي اليوم، مستوعبا لكل مكونات المجتمع وتعبيراته السياسية، فيما يشبه الحاضنة التي لا تقصي ولا تستثني أحدا. وقد ساهمت هذه الديناميكية المنفتحة في تشكل وعي جمعي جديد، بأن العملية السياسية بمرتكزاتها الجديدة وفلسفتها الراهنة، تجاوزت المعادلات الصفرية، التي يجد فيها الخاسر في استحقاق انتخابي موضوعا للإقصاء والملاحقة والمطاردة، وإنما على العكس من ذلك، أعطى المسار الديمقراطي الجديد للأحزاب التي لا تفوز بالانتخابات ولا تشارك في الحكومة، وضعا دستوريا يجعلها مشاركة في الحكم ورقيبة على الحكومة.

الشعوب العربية ليست أقل شأنا من غيرها، حتى تحرم من العيش في ظل أنظمة تعبر عنها وعن إرادتها الحرة

* سادسا: تجري هذه الانتخابات في سياق إقليمي وعربي غير مستقر، ويمر بمرحلة تحول عاصفة. فالجارة الغربية الشرقية لتونس تشهد صراعا داميا بين حكومة الوفاق المعترف بها دوليا ومسلحي اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يجد دعما واضحا من مصر والإمارات للسيطرة على العاصمة طرابلس. وهو صراع يؤثر بشكل مباشر على تونس، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ويتسبب في حالة أمنية رخوة على حدود البلدين. ولا يبدو الوضع في الجارة الغربية في العلاقة بتونس بأفضل حال. فالجزائر التي تمثل تداخلا مباشرا في الحالة التونسية تماما كليبيا، تعيش منذ أشهر على وقع حراك شعبي يطالب بالتغيير، لا يزال يخوض معركته مع السلطة، حول سبل تحقيق الانتقال السياسي الأمثل. ما يعني أن حالة الغموض التي تكتنفه ستلقي ظلالها بشكل واضح على المشهد التونسي، وديناميكيته. كما تجري هذه الانتخابات في ظل مزاج عربي رسمي رافض للتغيير والانتقال الديمقراطي، بل محارب له، وقد نلمس ذلك خلال الأيام المقبلة وقبيل الانتخابات، في محاولات التأثير سلبا على الاستحقاق الانتخابي، لاسيما بعض الحملات الإعلامية لصالح مرشحين على حساب آخرين.

* سابعا: تتجه تونس لإنجاز الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، رغم كل التعقيدات الداخلية والخارجية المشار إليها أعلاه. وهي إذ تفعل ذلك تمضي بتجربتها في الانتقال الديمقراطي خطوة أخرى إلى الأمام. وتبعث تونس من خلال هذا المسار، رسائل ناعمة ولكنها قوية وعميقة، للجوار وللعرب، بأن الشعوب العربية ليست أقل شأنا من غيرها، حتى تحرم من العيش في ظل أنظمة تعبر عنها وعن إرادتها الحرة، منبثقة من اختيارات حرة وسيدة. كما تؤكد هذه التجربة الفتية، رغم أنها يتيمة، أن البديل عن الاستبداد والقهر والأنظمة التسلطية والانقلابية، ليس الفوضى ولا انهيار الاجتماع السياسي، وإنما حكم متدرج ومتطور نحو الرشد والعدل واحترام إرادة الشعب. فليس قدرا مقدورا، ولا قضاء لا راد له، هذه الأنظمة المتوحشة على شاكلة النظام السوري والمصري، أو تلك المتخلفة المعششة في ثنايا المنطقة وأحشائها، ملكا عضوضا، تتعامل مع شعوبها «رعايا لا مواطنين»، إما إخضاعا أو إبادة. وبينما تخوض تونس هذه التجربة بحذر وترفّق، ولكن بفخر واعتزاز، لا تزال أنظمة عربية تدفن شعبها بالبراميل المتفجرة، وتطاردهم من محافظة إلى أخرى، لإخضاعهم كرها، أو إبادتهم قتلا، أو تشريدهم قسرا.

* ثامنا: بقيت إشارة ضرورية تتعلق بهذه التجربة التونسية في سياقها المغاربي والعربي. وهي أن ما يحصل اليوم في تونس من تحولات عميقة في الاجتماع السياسي، في سياق مسار انطلق منذ الإطاحة بالنظام الاستبدادي في يناير 2011، هو ثورة حقيقية وفعلية، وليس مجرد عملية احتجاجية سطحية، وهي تتماثل تماما مع ما حصل ويحصل في المنطقة العربية، حتى وإن تباينت النتائج ظرفيا. هذه الثورة لا تزال تهز هذه الأنظمة العربية وتخلخل أركانها، رغم كل الصعوبات والانتكاسات، كما هو الشأن في مصر أو سوريا. والمخيال السياسي التقليدي الذي يصر على أن يقدم لنا الثورة باعتبارها لحظة انتقال كاملة حادة في المكان والزمان المحددين، لا دليل عليها، ولا مرتكزات لها لا في التاريخ ولا في الاجتماع السياسي.

ما يحدث في تونس وما يحدث في إقليمها وفي المنطقة العربية واحد، إنها الثورة التي تصر على التحقق واقعا.. الثمن باهظ أحيانا.. وانكسارات الطريق ومطباته مؤلمة.. لكنها حتما لن تعطّل عجلة التاريخ.. وعجلة التاريخ اليوم هي الثورة بموجاتها المتعاقبة، حتى تنبسط أنظمة حكم رشيدة وتستوي منظومة قيم جديدة.

* كاتب تونسي ومدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية

 

عن صحيفة القدس العربي اللندنية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"