نَمُرُ اليوم بفترة حَرِجة من تاريخنا الوطني، إنها بلا شك نقطة تحول للسلطة من جيل إلى جيل. من جيل الآباء للبعض، وجيل الأجداد لمن هم في مقتبل العمر، إلى الغالبية الساحقة من أبنائنا مَن هُم، لِنَقُل دون الأربعين…

هؤلاء لم يولدوا أثناء لهيب الثورة المُظفرة، ولم  يعيشوا شظف عيش السنوات الأولى للاستقلال، وكانوا في غالبيتهم أطفالا خلال الحقبة المظلمة للعشرية السوداء أو لم يولَدوا بعد… لذلك يُعَد لِزاما علينا اليوم  تذكير أنفسنا وإياهم بما نراه أفضل سبيل حتى يتم هذا التحول نحو السلطة الجديدة برفق وسلاسة وسلام، ولا يؤدي بنا إلى الدخول في حقبة انتقالية، لا كما يَحلم بها مُعظمهم، هادئة، قصيرةْ لإعادة النظر في القوانين، وترتيب الأسس الجديدة للسلطة القادمة، إنما، لا قدِّر الله، حقبة طويلة، كلها اضطرابات لا يستطيع أي طرف التحكم فيها… وحينها لا ينفع القول أن السلطة هي التي أوصلتنا إلى هذه الحال وليس الشعب كما يُحَاجِج بعض أنصار التصعيد اليوم… ذلك أن أبناء الشعب سيكونون هم الضحايا مهما كانت السيناريوهات… كما حدث في صيف 1962، أو خلال أحداث أكتوبر 1988، أو أثناء العشرية السوداء 1992… ويكفي أن نُذكِّر أنه خلال المأساة الأخيرة فقط، أكثر من 20 ألفا مازالوا في عداد المفقودين، و160 مازالوا في غياهب السجون إلى اليوم بعد أكثر من ربع قرن من سجنهم (لم يستفيدوا ظلما من قانون المصالحة)، ناهيك عن عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين والعسكريين الذين تركوا خلفهم آلاف الأرامل والأيتام مازالت جراحهم لم تندمل بعد.

هل يكفي عزاء لهؤلاء القول أن السلطة كانت هي السبب ولم يكن الشعب؟ وقياسا على ذلك، هل من المبرر اليوم قول البعض أنه إذا حدثت أية انزلاقات ستكون السلطة هي السبب؟
أليس من الأوجب علينا، في أي مستوى كُنَّا، أن نمنع، بكل الوسائل، وبكافة التنازلات، كل احتمال في إمكانية الانزلاق؟ حتى وإن تعنتت السلطة، ولم تستجب إلا لجزء يسير من مطالب الشعب؟
نعم، من رأيي أن يكون ذلك، على أن يتم تغيير  وتطوير أساليب النضال وفق متطلبات هذه  المرحلة ووفق فهم دقيق لطبيعة النظام السائد فيها… ولا أرى أبدا استحالة القيام بذلك، بل إني أكاد أجزم بإمكانية تحقيق الانتقال السلس والتدرجي نحو نوع جديد من السلطة تكون بحق في مستوى تطلعات أبنائنا وطموحات أحفادنا.

وذلك لن يكون في رأيي سوى من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وإن كان بالحد الأدنى من التوافق، يُشرِف على مرحلة الانتقال من نظام إلى نظام، ويمنع أي احتمال للانزلاق، وفي نفس الوقت يُمَكِّن الجيلين الثاني والثالث منذ مرحلة ما بعد استعادة السيادة الوطنية من بناء الجمهورية الأكثر ملاءمة للعصر التي يطمحون إليها من غير قطيعة مع جذور الدولة الوطنية التاريخية ولا تنكر لمبادئ ثورتنا التحريرية المُظفَّرة…

هكذا أرى الطريق الأكثر أمانا لبلادي، بعيدا عن كل ولاء للأشخاص أو لحزب أو عصبية أو انتصار للنفس… كلي أمل أن أكون مُنتصرا لديني ووطني، حريصا على سلامة هذا الجيل اليافع الذي لم يقتنع، وهو على حق، أن الجزائر التي حلم بها الشهداء رحمهم الله ليست أبدا هي التي يرونها اليوم أمامهم…

عن صحيفة الشروق الجزائرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"