إن المسائل التي تتعلق بقادة العسكر وملف العلاقات المدنية العسكرية؛ من الملفات المهمة التي يجب أن تفتح بكل قوة وصدق، والهجوم من دون خوف ولا وجل على الحالة التي وصلت إليها مؤسسة عسكرية اختطفت على يد عصابة تمكنت منها ومن قيادتها. فقد قامت في البداية بعملية قطع طريق كبرى على مسار ديموقراطي بانقلاب عسكري، ثم مارست عملية نصب كبرى حينما قامت بالترويج لهذا الانقلاب باعتباره ثورة شعبية مختطفة، في الثلاثين من حزيران/ يونيو، بعد أن رتبت هذه العصابة لكثير من مشاهد إخراج ذلك الحدث، لتعلن تلك الطغمة العسكرية على لسان منقلبها؛ عن انقلاب عسكري مكتمل الأركان.

وترافقت عملية النصب تلك مع عمليات خداع مارستها تلك القوى، في إطار يتعلق بطلب التفويض في قتل الناس ومطاردتهم واعتقالهم. وضمن هذه العملية العصابية الكبرى قام هؤلاء بترتيب مجزرة كبرى لم تشهدها مصر بتلك الكيفية، حينما قامت بمجازر متتابعة تتعلق برابعة وأخواتها، وبدت تلك العملية في أقصى صورها لتعبر عن أكبر المشاهد دموية، ليمرر قائد الانقلاب شرعية مفتعلة ومصطنعة في ما أسماه بمواجهة الإرهاب المحتمل الذي اصطنعه على عينه؛ لتبرير شرعنته واستمرارية منظومة حكمه وتحكمه بكامل تشكيله العصابي. ثم قام بأكبر دور في عملية كبرى لتقسيم المجتمع وتفتيته واستغلال عمليات الاستقطاب لزراعة أكبر مساحة في المجتمع بالكراهية، فمس عصب جماعته الوطنية ونخاع لحمته الوطنية، وأحدث صدعا كبيرا في المجتمع، مكنه بعد ذلك من عمليات ممنهجة ومنظمة بارتكاب جرائم في حق الإنسان المصري وانتهاك حقوقه الإنسانية، وعمليات تجويع متتابعة بهدف إفقار هذا الشعب، لاعتقاد قائد الانقلاب أن شعبا جائعا وخائفا ومرتعدا هو أسلس قيادا وأكثر تمهيدا وقابلية لعقلية القطيع وتمكين علاقات السيد بالعبيد. ثم توج كل ذلك بعمليات اختطاف متتابعة لمؤسسات الدولة كلها وبجملتها، ليقوم بعملية عسكرة كاملة لمؤسسات الدولة والمجتمع على حد السواء، هذه القصة الرهيبة هي التي حدثت في مصر لتعبر عن هول ما حدث في مصر من نظام الثالث من تموز/ يوليو.

هذا النظام الذي درجنا في كل كتابة على وصفه بـ"رباعية فائية" (أي تبدأ بحرف الفاء) فهو نظام فاجر، ونظام فاشي، ونظام فاشل، ونظام فاسد. أما عن فجره، فما ارتكبه في حق الإنسان المصري وبنيته المجتمعية الشيء الكثير والأمر الجلل الخطير. وقد تراكم الظلم الكبير، وجاهر المستبد بصناعته للكراهية وصناعته المتعمدة للفرقة وتفتيت المجتمع، بل والتفريط في مقدرات العباد والبلاد، ففرط في أراض الوطن ومياه النيل وموارد مصر من الطاقة.. فعل كل هذا تحت أعين الجميع ببجاحة منقطعة النظير وفجر كبير. أما عن فاشيته، فإن تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية وكذلك الأممية الرسمية؛ تؤكد في مجمل تقاريرها ارتكاب جرائم في حق الإنسانية وانهيار منظومات العدالة في مصر، بحيث تحولت مؤسسات العدالة والإنصاف عن وظيفتها لتقوم بأدوار شبكية في الظلم والجور والإجحاف، وممارسة التعذيب البدني المفضي إلى القتل والاختطاف القسري المقترن بالتصفية الجسدية والإهمال المتعمد للقتل البطيء في سجون مصر.

تباهى هذا النظام بإحباطه "خلايا الأمل"، وشيّد "سجون المستقبل"، كما أشار في إعلامه وأكد في "مانشيتات" صحفه. أما عن فشل ذلك النظام فادعاء بإنجازات وهمية والتبشير بفناكيش يومية والادعاء بتنفيذ مشروعات قومية بلا أدنى دراسات علمية أو دراسات جدوى اقتصادية.. إنه نظام احترف الفقاقة وجعل من الكفتولوجي طريقة حياة، فأصاب المجتمع في مقتل حينما ظهر دائما بمظهر المحتال والنصاب الكبير الذي احترف الفشل في مسائل عدة وعلى نحو خطير، فاستحق هذا الوصف بتدمير الأجيال الآتية ومستقبلها بعمليات اقتراض متراكمة وبديون داخلية وخارجية، فلا يمكن أن نرى لأي جيل في قابل الأيام مستقبلا إلا في صور المصادرة لذلك المستقبل والمقامرة به، وبلغ الأمر في خطورته حينما يحاول ذلك المستبد أن يروج لذلك الفشل وكأنه علامات نجاح ومؤشرات إنجاز، تساعدهم في ذلك جوقة إعلام منافقة، ومجموعات مدعية الثقافة من حملة المباخر الذين يخدمون هذا النظا؛م فيجعلون البيادة رمزهم وحكم العسكر أملهم.

إلا أن الطامة الكبرى كانت في اقتران سلطان العسكر بتغول خطير؛ ليس فقط على الحياة السياسية والمجتمعية، ولكن بالتغول على مفاصل الحياة الاقتصادية، فاستحق هؤلاء أن يكونوا قادة للبزنس في داخل الجيش.. لا يتباهون بعمليات عسكرية أو مواجهة عدو يستهدف البلاد والعباد، بل صاروا يتباهون بإنتاج كحك الأعياد وخطوط الجمبري والمتاجرة في لبن الأطفال، والسيطرة على معاش الناس في أدنى أشكاله وفي تعدد صوره. ولم يقترن هذا البعد الاقتصادي إلا بعمليات فساد كبرى قادها هؤلاء ليعبروا عن اكتمال المربع بتشييد نظام فاسد؛ تتصاحب فيه مؤسسات الاستبداد بشبكات الفساد، فكان من الأمور ما يتعلق بكشف المستور.. كشفه كثيرون ولكن هؤلاء الفاسدين لا يبالون.. لمَ لا وهم محصنون، وفي كل اتهام يبرز وفي كل فضيحة تتكشف يصفون كاشفها بأنه من أهل الشر أو من الإخوان أو من المعارضين الذين يكيدون كيدا!

حتى كان هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بفضح نظام فسادستان، فجعلوها بحق دولة الفساد، فأهانوا العباد ووعظوهم بالفقر (الشيطان يعظكم الفقر)، وبات هؤلاء يتهمون كل من اتهمهم بفساد، فوضعوه في السجون وفي غياهب المعتقلات، حتى هذا الذي وظيفته الكشف عن الفساد في الجهاز المركزي للمحاسبات حينما تحدث عن حجم فساد يفوق 600 مليار جنيه؛ كذبوه وطاردوه وسجنوه وضربوه وعذبوه.. كيف تتفوه بذلك على أسيادك؟ إنك عبد من عبيدنا ما جاز لك أن تقول أو تتقول علينا! أودعوه السجن وهددوا كل من قال لا أو كشف النقاب عن حقيقتهم وأسهم في افتضاح أمرهم. ولكن ظل هؤلاء، بتلويحهم بالسلاح ونشر الترويع والتفزيع والتأكيد على استراتيجية الإفقار والتجويع، يزعمون أن العبيد "فقرا أوي"، وأن عليهم إذا ما طُلب منهم الجوع أو الموت أن يجوعوا ويموتوا تحت دعوى أن قائد النظام الانقلابي لا يملك شيئا، وأنه هو الشريف النظيف العفيف، فهو "صادق أوي، و"شريف أوي" و"أمين أوي".

وبدا كل ذلك في خطاب يحمل الناس على تحمل الغلاء الفاحش والجباية الفادحة؛ التي تعد في أحد صورها سرقة بالإكراه من قبل نظام العصابة، فلا يتنفس أحد ولا يعترض أحد.. عليك أن تسبح بحمد العسكر ما دام يتركونك تعيش خارج سجونهم أما إذا تفوهت بشطر كلمة فأنت من المسجونين أو المعتقلين أو المطاردين أو المنفيين قسريا أو المقتولين.

هكذا وصل الأمر إلى تلك الحالة.. نظام فاسد يحمى بنظام فاشي يمارس سياسات فاشلة ويرتكب كل جريمة في حق المواطنين بطريقة فاجرة.. وهنا انفتح الستار عن "محمد علي"، ليس محمد علي باشا؛ ولكن محمد علي الفنان ورجل الأعمال الذي عمل معهم منذ عقد ونصف، على صغر سنه.. فقد نشر سلسلة فيديوهات وحلقات عنوانها فضيحة قادة العسكر وكشف المستور، ودفع المسكوت عنه إلى دائرة الوضوح المفضوح.. شرَع يحكي، فلا لهم حيلة لرده ولا يستطيعون لذلك دفعا.. في سلسلة تلك الأحداث الكاشفة الفاضحة؛ يؤكد على سلسلة "كشف المستور" في قادة العسكر الممارسين لفساد مفضوح ومستور.. وللحديث بقية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"