نريد من القارئ الصبر، وما هو لنا بمؤمن، فلدينا الآيات والبراهين على تمثيل السيسي في فيلم سينمائي مشهور!

مثّل في فيلم "الفرح" عصبة من الممثلين، أدّوا حكاية الفيلم ببراعة. الفيلم من إخراج سامح عبد العزيز، والقصة الجميلة من تأليف أحمد عبد الله. لقد اختار المؤلف لحظة فريدة هي لحظة اجتماع الفرح والحزن، وتحول العرس إلى جنازة، وهو يذكّر بفيلم عرس مونسون "Monsoon Wedding" الأمريكي الأوربي الهندي الإنتاج، والإخراج لميرا ناي.

يعمد زينهم (خالد الصاوي) إلى إقامة عرس، وغايته هي استرجاع المال بالنقوط من أهله ومعارفه الذين سبق له أن تبرع لهم بالنقوط والهدايا، ليشتري ميكروباص، فاختلق أختاً له استأجرها، وأعلن العرس. تقبل الأم (كريمة مختار) الفكرة من غير اقتناع، مشترطة على ابنها عرساً خالياً من الراقصات والخمرة، وتحاول طوال مدة الفيلم هداية الراقصة (سوسن بدر) بالتوبة عن الرقص. هذه هي حكاية الفيلم الكبرى التي تجتمع في مجراها روافد حكائية؛ هي حكايات المشاركين في إحياء حفلة العرس واسمها في مصر "الفرح":

حكاية عريف الفرح ومقدمه العسلي (ماجد الكدواني)، وهي أن والده يلاحقه من فرح إلى فرح كي يعفو عنه! والابن العاق يأبى على خلاف ما يوصي به الإسلام والتقاليد بخفض جناح الذل من الرحمة لأبويه؛ لأن والده ضربه في الطفولة فشوّه وجهه.

وحكاية المنولوجست راوي النكات في الحفلات، صلاح وردة (صلاح عبد الله) الذي كبر وفات زمنه وشاخ، ويريد أن يُري ابنه أحد عروضه، كي يثبت له أنه ما يزال أباً قوياً مثل أيام زمان.

وحكاية الصبية سميرة التي ترتدي زي الغلمان كي تعيل أسرتها وتصون شرفها من الذئاب، وتعمل في بيع البيرة في المناسبات.. يحاول حسن الحشاش (باسم السمرة) إغواءها، وشراءها بالمال، فتصاب بخيبة أمل وقد أحبته، فتضطر إلى قتله دفاعاً عن شرفها.

وحكاية العجوز شوقي أبو حباية (حسن حسني) المتزوج من الصبية الحسناء (مي كساب)، والذي يعجز عن إتيان زوجته لسببين هما الشيخوخة وضجة مكبر صوت الفرح، الذي يفقده الفحولة، فتطلب منه زوجته الحسناء الطلاق، وعجزه تام، فهو عاجز عن الباه والرأي.

وحكاية العروسين عبد الله وجميلة (ياسر جلال وجمانا مراد) المتزوجين على الورق من غير دخلة شعبية، وبدخلة حقيقية، بسبب ضيق ذات اليد. أبوها يريد أن يثبت لأهل الحارة بعد سبع سنوات خطبة أن ابنته لا تزال عذراء حسب التقاليد القديمة، وإخراساً لألسنة أهل الحارة. وهما اللذان يستأجرهما زينهم، ليلعبا دور أخته وصهره مقابل مال سيأخذه العريس الصهر لاستعارة بكارة عند طبيب تحت الأرض، فقد ولغ الخاطب العاشق في الإناء بعد عطش سبع سنوات.

بموت الأم يجد الابن نفسه أمام خيارين مرّين: إما أن يكمل الفرح بناء على نصائح المستفيدين من الفرح، أو أن ينهي الفرح ويعلن الحداد فوراً كما تقتضي الأصول وجلال الموت، فكيف يرقص ابن ماتت أمه في فرح هو أصلاً فرح كاذب؟ فالأخت ليست أخته، والصهر ليس صهره. فتصب المصائر السوداء في بحيرة النهايات التراجيدية: تهجره زوجته (روجينا)، وتُسرق محفظة النقوط، وتقتل سميرة حسن الحشاش، وتهجر نسرين شوقي العجوز أبو حباية، ويصوّر مصور الفرح قطة سوداء بعد تعاطيه الحشيش، وترقص الراقصة في الجنازة وهي مصابة بالكدمات وعليها آثار الدماء، ويكسر مقدم الفرح قلب أبيه، ويحطّم الأب المنولوجست قلب ابنه، ويظهر زينهم وهو يلطم ويقول:

"الفلوس اتسرقت، وأمي ماتت وهي زعلانة مني، ومراتي سابتني".

لقد قتل الماضي والحاضر والمستقبل، وحتى لا يتحول الفيلم إلى نكد أسود، قام مخرج الفيلم بعمل نهاية ثانية متخيلة؛ هي مقلوب أخطاء الأفلام وعثرات التصوير التي تعرض في نهايات العروض، كما في فيلم "حياة حشرة" وأفلام جاكي شان، فحلم بنهاية أقل تعاسة..

لكن أين السيسي في الفيلم أيها السادة: صلّوا على بدر التمام، محمد خير الأنام، كي يشفع لنا يوم الزحام، عند من لا يغفل ولا ينام..

يحضر السيسي في حكاية زينهم، الذي ماتت أمه في الفرح، فقرر أن يرقص على جثتها ويجمع النقطة ويشتري المكرو باص، وقد ذكّرنا بها محمد علي في شهادته أمس، حكايته هي نفسها حذو القذة بالقذة، فسبحان من جعل أحمق مصر عزيزها.

وكان محمد علي هو المقاول الذي كلفته المخابرات والجهات العسكرية بتجهيز المقبرة، وقد كلفت ما كلفت، الحكاية هي نفسها، ويمكن أن نهذر قليلاً فنقول: إن السيسي حضر بلقبه أيضاً، فقد ذكر مقدم الفرح العسلي البلح كثيراً، وحيّا النخلة عدة مرات. وفي الفيلم، صلاح يقول مبرراً تأجيل إعلان موت الأم؛ إن السياسيين يؤجلون إعلان موت الرئيس حتى لا يصدموا الشعب، والحقيقة أنهم يفعلون ذلك منعاً للانقلابات، أو تحضيراً لصدم الشعب صدمة لا يفيق منها سبعين سنة.

يمكن أن نتأوّل ونجد كثيراً من المتشابهات بين فرح الفيلم وفرح السيسي وثورة تموز/ يوليو الكاذبة، غير كتم خبر موت الأم حتى يفرح بترعة السويس، وهي ترعة كاذبة غير مجدية بنيت من أموال الشعب كما تقول التقارير الاقتصادية المنصفة، لتصوير فيلم التيتانك المصري.

أول المتشابهات: الكذب، فكما أن عرس زينهم ليس عرسه، كذلك كانت قناة السويس، فليست سوى ترعة، ولا نعرف عدد الجرائم التي ارتكبت في أثناء رابعة وأثناء حفر الترعة، غير هدر الأموال والمشروبات الحرام والاعتصامات..

الثاني: سكوت الأم على العرس يشبه سكوت نخبة مصر وصفوتها السياسية، أمثال صباحي وأبو الفتوح والبرادعي، على الانقلاب، والوحيد الذي ندم على الانقلاب هو أبو الفتوح، فذهب إلى السجن راضياً أو كفارة عن ذنبه.

الثالث: أن الفرح المصري الذي رأيناه في رابعة، كان عرساً غربياً، هم الذين وزّعوا النقوط، وهم الذين أودوا بالأبكار، وهم الذين أهدروا الشرف المصري بيد السيسي، وهم الذين قتلوا العريس..

الرابع: كثير من الممثلات كن قد تُبن، ولبسن الحجاب، وهن قواعد من النساء، والقواعد عادة ما يغطين رؤوسهن وقارا، لكنهن خلعن الحجاب بعد فرح الانقلاب، أمثال سهير رمزي وشهيرة.. وصارت راقصة معروفة داعية دينية وتفهم في اللوغاريتمات، وقد جمع السيسي النقطة من الإمارات والسعودية، واشترى الميكروباص.. الميكرو باص الذي حصل عليه السيسي هو مصر، والسيسي سائق لا يعرف قيادة حمار، وهو يقود مصر إلى الهاوية على عجلات نايمة.. الفرح ما زال في مصر قائما، وليست أم البطل وحدها التي ماتت، فشعب مصر يوأد حياً، وأكثر الضحايا هن النساء، ألم يقل الراحل محمد مرسي: أنا عاوز أحافظ على البنات..

يختم الفيلم بنهايتيه، الواقعية والحالمة بآيات من الذكر الحكيم، وكان القرآن قد انقطع عن السينما بالعظة والذكر في عهد التلفزيون الملون، وكانت بعض أفلام الأسود والأبيض تنتهي بعظة قرآنية، وسادت أفلام الحرب على الإخوان والإسلام بعامة، وأشهر كتّاب عداوة الدين هما وحيد حامد ولينين الرملي، ونرى في الفيلم آية من سورة الرحمن على الحائط وراء ظهر الأم، ونجد اسم أبو تريكة على الحيطان.

الخامس: أن أبواق السلطان المعاصر قد أفقدت الشعوب العربية الرجولة، فأبو حباية هو مثال الشعب المصري الذي لا يريد سوى السلامة.

الأمل الوحيد في الفيلم هي صفيّة التي تقول للسيسي، عفواً لزينهم: "اللي يفرط في أمه يفرط في مراته، أنا خايفة منك يا زينهم"، وقد خان البلد، فباع الجزيرتين استجابة لوصية أمه التي باتت في الثلاجة، وزعم أنها قالت له: أي حاجة مش ليك ما تاخذهاش. تطلب صفية من زينهم قائلة: طلقني يا زينهم، لكن السيسي يقول إنه لن "يسيبها".. و"اللي ح يقرب لها حيشيلوا من فوق وش الأرض".

ذكّرنا محمد علي بالفيلم، فشكراً له، وله التحية، وكانت المخابرات قد أغلقت صفحته للمرة الرابعة، قلبي معاك يا محمد علي، فرجال مصر كلهم في السجون، أو تحت الأرض، ولم يبق لنا سواك في هذا الفرح المنيل بستة وستين نيلة، وما زال مستمراً منذ ست سنوات!

عظم الله أجركم في أمّنا، أم الدنيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"