في العام 1979، كان وزير الأشغال العمومية المغربي محمد الدويري في زيارة للمدرسة المولوية، حيث كان يدرس أبناء الملك الحسن الثاني وقتها، فانبرى التلميذ أنس خالص، الذي يشغل اليوم منصب مدير البروتوكول والتشريفات بوزارة الخارجية على خطى والده الذي تقلد مناصب سامية ربما كان أهمها إدارة الإذاعة والتلفزيون العموميين، ليسأل الوزير قائلا: كيف تدافع عن التعريب وترسل ابنك للدراسة بمدارس البعثة الفرنسية؟ لم يجد الوزير غير الرد بالقول: إنه خطأ العمر. نسعى أنا وأم عادل لتجاوز هذا الوضع. 

كبُر الطفل عادل الدويري وصال وجال في الاقتصاد الوطني مستثمرا ناجحا قبل أن يعين وزيرا للسياحة يتهجى لغة عربية ركيكة، كان والده قد فرض على موظفي وزارته قبل عقود ساعة من الزمن لتعلمها، تطبيقا لخطة حزب الاستقلال الساعية لتعريب الإدارة بعد قرار الحكومة المغربية في العام 1977، من خلال وزارة التعليم التي تولاها عز الدين العراقي، إقرار التعريب في كل مواد مراحل التعليم قبل الجامعي. 

 

مسيرة تعريب التعليم

عز الدين العراقي درس بالفرنسية ودرّس بها في كلية الطب، قبل أن يكتشف أهمية اللغة العربية بمجرد توليه المنصب الوزاري. استمر الرجل في مهمته في "إصلاح" القطاع عشر سنوات كاملة أعقبتها سنوات خمس كرئيس للوزراء، بعد فك ارتباطه بحزب الاستقلال الذي اختار العودة للمعارضة احتجاجا على ما اعتبره تزويرا للانتخابات، فالمنصب السلطوي أولى من أي التزام حزبي. بالمقابل، استمر أبناء قادة الحزب في الدراسة بالبعثات والجامعات الفرنسية، بما يفتحه ذلك من آفاق مشرعة لتولي المناصب الحكومية وزراء ومدراء شركات عامة ومؤسسات حكومية دون التفريط في "حقهم" من كعكة القطاع الخاص. وللأمانة، فقد تمكن عادل الدويري من امتلاك لغة عربية رصينة بعد تولي المنصب الوزاري، وربما كان ذلك الإنجاز الوحيد لفترة توليه مهمة تدبير القطاع السياحي بالبلاد.

 

المدرسة كانت دوما في صلب الصراع السياسي والأيديولوجي بالبلاد في محاولة لاستقطاب الكفاءات والأنصار. لكنها اليوم دخلت منحى الصراع الانتخابي الساعي لتأمين الأصوات وتجييش الأتباع،

لم يكن الوزير عز الدين العراقي أول من بادر إلى السعي لتعريب التعليم بالمدرسة المغربية لكنه شكل الاستثناء في التطبيق الفعلي والاستمرار فيه. فقد كان سلفه في ذات الحزب السياسي محمد الفاسي مبادرا منذ سنوات الاستقلال الأولى لولا ندرة الموارد البشرية القادرة على رفع لواء التعريب، ما أجبره على التراجع في انتظار الفرصة المواتية لتحقيق رؤية ملخصها أربعة ركائز هي: التعميم، التوحيد، التعريب ومغربة الأطر، علما أن أول لجنة لإصلاح النظام التعليمي المغربي تعود لسنة 1958 بتوجيهات من القيادي اليساري المهدي بن بركة.

بعد أكثر من ستين سنة على الاستقلال السياسي عن فرنسا، لم يحقق المغرب من الركائز الأربعة غير المغربة على علاتها. أما التعميم فكشف تقرير صدر مؤخرا عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن ما يفوق المليون ونصف المليون من الأطفال المغاربة يجدون أنفسهم خارج أسوار المدرسة وهو رقم مرشح للارتفاع بحلول 2030. وأما التوحيد فصار متجاوزا بظهور مسالك مختلفة وعرض تعليمي خاص وأجنبي يقدم أنماط تدريس خارج المنهاج الرسمي. 

لغة التدريس موضوع جدلي

وتبقى لغة التدريس موضوعا جدليا يعود باستمرار إلى الواجهة حسب ظروف السياسة الداخلية منها والخارجية، وهو ما تشهده الساحة السياسية في الأسابيع الأخيرة ولا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم وإن كانت مجرد طلقات فارغة بلا تأثير.

كان الملك الراحل، الحسن الثاني، يؤكد في كل خطاباته وحوارته أن الأمي من لا يتقن إلا لغة واحدة، لا يستثني من ذلك من لا يملكون غير الفرنسية لسانا. لكن الصراع السياسي الذي كانت رحاه مستعرة بين القصر و"النخبة" اليسارية المفرنسة، دفع الملك الراحل للتحالف مرحليا مع الأطراف المحافظة في ما يسمى بالحركة الوطنية، مع استبعاد الأمازيغية وتحييدها من أي نقاش عمومي، وكان سلاح العربية، لغة القرآن، أنجع الطرق للمواجهة وكسب التأييد. كما ذهب بعض المحللين إلى أن قناعة الملك الراحل، باعتباره أميرا للمؤمنين، بخطورة ظهور "كهنوت" يقرأ النص القرآني ويؤوله نيابة عن المؤمنين بسبب ضعف تمكنهم من اللغة العربية واستثمار الثورة الإيرانية لذلك، حوّل اللغة العربية إلى واحدة من المقدسات في الخطاب السياسي الرسمي بجانب الإسلام والملكية والوحدة الترابية للبلاد. 

 

كان الملك الراحل، الحسن الثاني، يؤكد في كل خطاباته وحوارته أن الأمي من لا يتقن إلا لغة واحدة، لا يستثني من ذلك من لا يملكون غير الفرنسية لسانا.

تحالف القصر ودعاة التعريب، مع اختلاف الدواعي، مكّن من التمكين للتعريب في المدرسة العمومية رغم عدم توفر الإمكانيات البيداغوجية والبشرية لإنجاح المنظومة الجديدة خصوصا مع الإبقاء على الفرنسية لغة للتدريس الجامعي.
 
ولأن النقاش السياسي حصر مسألة تطوير وتأهيل المنظومة التربوية في الإشكال اللغوي، فقد كان طبيعيا أن تتحمل اللغة تلك نتائج الفشل المتواصل للنظام التعليمي الذي لا يختلف حوله المؤيدون والمعارضون حصيلة سلبية لا مجال لنكرانها. فبالرغم من لجان التطوير المستحدثة والمخططات الاستعجالية المعتمدة، تبرز حقيقة التباين الكبير بين مستوى الإنفاق على التعليم ومخرجاته العملية. فقد أبرزت دراسة أخيرة للبنك الدولي أن أكثر من ستين بالمائة من الشغيلة المغربية بلا شهادات، مقابل ما يفوق العشرة بالمائة بقليل من الجامعيين، الذين يعيش غالبيتهم على وقع بطالة مستدامة تحول دون استيعابهم في سوق الشغل لعدم ملاءمة التكوينات لاحتياجات السوق.

 

لغة التدريس والهوية


وفي الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة سياسات أرشد في المجال تمنح المدرسة والجامعة ومعاهد التكوين المهني وهجا وبريقا، وتعيد ربطها بالنقاش المجتمعي والسياسي، لم تجد الطبقة السياسية غير التمترس وراء موضوع لغة تدريس المواد العلمية دفاعا عن الهوية عند البعض المتوجس من أن تنتقل "العدوى" لبقية المواد، كما حدث بالضبط لحظة التعريب، وانفتاحا على العالم لدى آخرين لا يزالون يؤمنون بحظ الفرنسية في مجالات العلم والمعرفة والتكنولوجيا. بعض العابثين بمصير المغاربة والوطن لم يجدوا منذ سنوات غير الدعوة للتدريس ب"العامية" مشروعا لإعلان الوجود واعتلاء المنابر دونما صفة رسمية أو شرعية انتخابية أو تخصص بالمجال.

يضم الطرف الرافض لاعتماد الفرنسية لغة لتدريس المواد العلمية والتقنية، شخصيات شكلت لجنة لمناهضة الفرنسة جمعت اليساري بالإسلامي من "متقاعدي" العمل الحزبي والسياسي، والهدف إسقاط المشروع، اعتمادا على "عدم دستورية القانون" لمخالفة المادتين، مثار الجدل، للفصل الخامس من الدستور. بعض الأطراف الفاعلة في اللجنة لا تعترف أصلا بالدستور، وأخرى تناست مواده التي تضمن للأمازيغية وضعية "اللغة الوطنية" وحاربت قوانين ترقيتها داخل البرلمان. النص الدستوري وثيقة جامعة وليست خرقة نشهرها في وجه البعض حسب الظروف والأحوال.

 

تلازم التعريب بالأسلمة قد يفسر جزءا من التوجه الرسمي المغربي الجديد.


 
يتزعم اللجنة رئيس الوزراء السابق عبد الإله بنكيران. والحال أن مشروع العودة للـ"فرنسة" انطلق في عهده عندما قدم "وزيره" في التعليم رشيد بلمختار وقتها برنامجا في هذا الاتجاه، لم يتورع بنكيران من تقريعه في جلسة برلمانية مباشرة على التلفزيون بسببه قبل أن ينهي الملك الجدل وينتصر للمرؤوس على الرئيس، وهو يؤكد في خطاب العرش لسنة 2015 أن "إصلاح التعليم يجب أن يظل بعيدا عن الأنانية، وعن أية حسابات سياسية ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة بدعوى الحفاظ على الهوية". 

يعترف بنكيران أنه تلقى القانون الإطار من القصر، وأنه كان على استعداد تام للدفاع عنه وتمريره بالبرلمان، لكنه يدفع بوجود إضافات فيه تنسف روحه وتجعله انتصارا للوبي الفرنكفوني الاستعماري، مطالبا خلفه في رئاسة الحكومة بالاستقالة إنقاذا لشرفه من التدنيس، مع تأكيده مجددا أن "القضية لا يجب أن تكون بيننا وبين الملك بل مع لوبي استعماري بالمغرب".

المدرسة كانت دوما في صلب الصراع السياسي والأيديولوجي بالبلاد في محاولة لاستقطاب الكفاءات والأنصار. لكنها اليوم دخلت منحى الصراع الانتخابي الساعي لتأمين الأصوات وتجييش الأتباع، بل يحاول البعض جعلها مجرد موضوع لصراع أجنحة حزبية تعتقد أن المغرب ومستقبله محصور في النقاش الحزبي الداخلي. لكن السؤال يبقى مطروحا عن الفئة المستهدفة بالقانون الإطار محط الجدال.
 
في المغرب مدارس تابعة للبعثات التعليمية الأجنبية تستحوذ فرنسا على حصة الأسد منها بأكثر من ثلاثين مؤسسة موزعة على مدن المغرب وجهاته. وبالتوازي مع ذلك، استطاع التعليم الخاص تقوية حصته من السوق، حيث تجاهد الطبقة الوسطى، وجزء من الطبقة الدنيا، ما استطاعت لإلحاق أبنائها بمؤسساته التي تقدم تعليما مفرنسا في غالبيته العظمى. التعريب المطلوب من المدافعين عن "الهوية" يبقى إذن قدر أبناء الطبقات الشعبية المهمشة التي يجد "الناجون" منها أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع خريجي أنماط أخرى تستقوي باللغة الأجنبية وتجعلها مؤشرا للترقي الاجتماعي والوظيفي. هكذا يصبح المسعى الهوياتي طريقا لترسيخ تفاوتات طبقية في المجال التعليمي تكرس لإعادة إنتاج النخب، وفق تصور المقيم العام الفرنسي ليوطي، الذي كان يطالب بتوفير تعليم يليق بكل فئة اجتماعية على حدة، بما يرسخ لمنطق السادة والعبيد.

قد تبدو اللغة الفرنسية متجاوزة ومنحسرة النفوذ في مواجهة هيمنة الإنجليزية كلغة عالمية مسيطرة. لكن فضاءات النفوذ المغربي المأمول تبقى في الغالب الأعم محصورة في أفريقيا الفرنكفونية، التي صارت سوقا ينافس المغرب فيها بقوة إن على مستوى التبادل التجاري أو الاستثمار. التلويح بجدوى اعتماد اللغة الإنجليزية لغة للتدريس مجرد مزايدات لا ترقى لمستوى البرنامج العملي القابل للتطبيق. فلا الموارد البشرية مؤهلة ولا السياق اللغوي العام مساعد على هذا التحول الجذري إلا في حالة السعي لجعل المدرسة المغربية مجرد فأر تجارب أو حلبة صراع أيديولوجي وحزبي. 

ظل القانون معلقا بالبرلمان تسعة أشهر كاملة، وكان تنبيه أحد مستشاري الملك كفيلا بالإسراع في إخراجه إلى الوجود بصبغته الإلزامية التي تشكل سابقة في المجال. عندما قرر الحسن الثاني اعتماد التعريب كانت له مبرراته الداخلية والدولية. اليوم، تغيرت كثير من موازين القوى الداخلية، وارتهنت كثير من القرارات بالرؤى الدولية المستجدة. تلازم التعريب بالأسلمة قد يفسر جزءا من التوجه الرسمي المغربي الجديد. قد يكون للقرار مبررات بيداغوجية لكنها حتما لا تشكل السبب الأوحد لتبني "الإصلاح الجديد". 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"